
علاقة بلا ثقة.. كيف يوازن الأردن بين الضرورة الأمنية ورفض سياسات الاحتلال؟
معاذ نزال
تحت ضغط التحولات التي فرضتها حرب غزة، وتصاعد العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية والمسجد الأقصى، تتجه العلاقة الأردنية - الإسرائيلية إلى مرحلة أكثر حساسية، وسط تساؤلات متزايدة حول حدود هذا الارتباط، وإمكانية انتقاله من حالة "البرود المُدار" إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
وبين خطاب رسمي يوازن بين إدارة المخاطر وحماية الأمن الوطني، وأصوات سياسية تطالب بتفعيل أوراق الضغط، تبدو عمّان أمام معادلة معقدة تعيد فيها صياغة قواعد التعامل مع الاحتلال دون القفز خارج الإطار الدبلوماسي.
يرى الأمين العام لـ"المنتدى العالمي للوسطية" مروان الفاعوري أن توصيف العلاقة الأردنية - الإسرائيلية باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار يحتاج إلى إعادة نظر. ويؤكد في حديثه لـ"قدس برس" أن الأردن لا يتعامل مع هذه العلاقة بوصفها خياراً استراتيجياً أو قناعة سياسية، بل كإدارة اضطرارية لواقع تفرضه الجغرافيا وتعقيدات الأمن الوطني.
ويشير إلى أن المقاربة الأردنية تنطلق من حماية الاستقرار الداخلي ومنع سيناريوهات شديدة الخطورة، أبرزها التهجير القسري للفلسطينيين أو فرض مشاريع "الوطن البديل"، أو انهيار المنظومة الفلسطينية بما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأردن.
ويضيف الفاعوري أن العلاقة تُدار ضمن أطر قانونية ودبلوماسية محدودة، باعتبارها أداة لتقليل الخسائر لا شراكة طبيعية، مؤكداً أن هذا النهج لا يعني القبول بالاحتلال أو التراجع عن الثوابت الوطنية والقومية. ويشدد على أن الموقف الأردني الرسمي واضح في اعتبار سياسات الاحتلال مصدراً لعدم الاستقرار، وهو ما يظهر في مواقف عمّان المتقدمة دفاعاً عن القدس ورفض الاعتداءات على المقدسات، والتمسك بحل الدولتين وحقوق اللاجئين.
ويرى الفاعوري أن معركة "طوفان الأقصى" أعادت رسم سقوف العلاقة وحدودها، إذ دفعت جرائم الاحتلال في غزة ولبنان، وتصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي حول "إسرائيل الكبرى"، عمّان إلى تشديد خطابها السياسي ورفع مستوى الاشتباك الدبلوماسي دفاعاً عن أمنها الوطني. ومع ذلك، يؤكد أن الأردن ما يزال يتعامل مع العلاقة كأداة لإدارة المخاطر، في ظل اتساع الفجوة السياسية والأخلاقية مع الاحتلال.
ويحذّر الفاعوري من أن توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية يشكل تصعيداً خطيراً يهدد بتفجير الأوضاع وجرّ المنطقة إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار، معتبراً أن الأردن يرى في هذه العمليات محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، أبرزها دفع الفلسطينيين نحو التهجير القسري، وهو خط أحمر أردني ثابت.
كما يشير إلى أن الأردن يشعر بأنه محاصر سياسياً، في ظل إدارة أميركية منحازة بالكامل للاحتلال، وبعض دول الخليج التي تميل عملياً لدعم إسرائيل، وتسعى – وفق تعبيره – إلى إبقاء الأردن مثقلاً بالأعباء الاقتصادية والديون.
من جهته، يؤكد الناشط والقيادي الإسلامي الأردني خالد الجهني أن رفض الأردن لمخططات "التهجير القسري" يشكل موقف راسخ لدى الدولة والمجتمع، مشيراً في حديثه لـ"قدس برس" إلى أن هذا الرفض يشمل أيضاً العمليات العسكرية الإسرائيلية المتصاعدة في الضفة الغربية، والتي يعتبرها الأردن تهديداً مباشراً لاستقراره وأمنه الوطني.
ويشير الجهني إلى أن عمّان، رغم وضوح موقفها السياسي، لم تلجأ حتى الآن إلى استخدام أوراق القوة التي تمتلكها، إذ ما تزال المقاربة الأردنية محصورة في إطار الدبلوماسية الناعمة عبر المؤتمرات والمحافل الدولية، وهي أدوات لم تعد - برأيه - ذات تأثير فعلي على الاحتلال الذي لا يعير اهتماماً للبيانات أو الإدانات.
ويعدد الجهني جملة من الخيارات الاستراتيجية التي يملكها الأردن ويمكن أن تشكل ضغطاً حقيقياً على الاحتلال، من بينها وقف أو تجميد اتفاقية "وادي عربة"، والتحكم بالحدود البرية الأطول مع إسرائيل، وعرقلة مسارات التطبيع الإقليمي، إضافة إلى الانفتاح على قوى وفصائل المقاومة الفلسطينية بما يفرض معادلات جديدة في العلاقة.
وحول مستقبل العلاقة الأردنية - الإسرائيلية، يرى الجهني أن مسارها سيظل مرهوناً بسلوك الاحتلال، محذراً من أن استمرار العمليات العسكرية في الضفة قد يؤدي إلى موجات تهجير جماعي قسري للفلسطينيين، وهو السيناريو الأخطر بالنسبة للأردن. كما يشدد على أن تصاعد اقتحامات المسجد الأقصى يشكل عاملاً مفجراً لأي توتر حاد، مؤكداً أن أي اهتزاز جوهري في العلاقة لن يحدث إلا إذا أقدم الاحتلال على "حدث كبير" يتجاوز الخطوط الحمراء الأردنية.
وتشهد العلاقات الأردنية - الإسرائيلية منذ اندلاع "طوفان الأقصى" وحرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، قبل أكثر من عامين، توتراً متصاعداً يقترب من أسوأ حالاته منذ توقيع اتفاقية "وادي عربة" للتسوية عام 1994.
وباتت عمّان تنظر إلى سياسات حكومة الاحتلال بوصفها تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية في الضفة الغربية، ومخاوف التهجير القسري، والاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى.
ورغم استمرار القنوات الدبلوماسية والالتزامات القانونية، انتقلت العلاقة إلى مستوى من "البرود المُدار" يتخلله خطاب أردني أكثر حدة، واشتباك سياسي متزايد مع تل أبيب، في ظل شعور أردني بأن الاحتلال يتجاوز الخطوط الحمراء، وأن الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل يضيّق هامش الحركة أمام عمّان ويضعها أمام معادلة معقدة بين إدارة المخاطر وحماية الثوابت.
ابحث
أضف تعليقاً