wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الفصل بين السياسي والدعوي في مسيرة العمل الإسلامي .. الرؤى والمآلات

الفصل بين "السياسي" و"الدعوي" في مسيرة العمل الإسلامي: الرؤى والمآلات

 

أنور بن قاسم الخضري 

باحث وكاتب مهتم بالفكر السياسي الإسلامي

 

تمهيد:

لا تزال قضية الفصل بين "السياسي" و"الدعوي" في مسيرة العمل الإسلامي محلَّ جدل واسع في الساحة، تفرضه عدَّة معطيات نظرية وواقعية، ويتداوله طرفان، طرف يذهب نحو عدم الفصل، وضرورة أن يبقى العمل الدعوي حاضرًا في السياسة بذاته وشخوصه ومفاهيمه ومرجعيَّاته ومعاييره، وطرف آخر يذهب نحو فصل تامٍّ بين العمل الدعوي والسياسي حدَّ التنظير لمبدأ مدنية العمل السياسي.

هذا الجدل المحتدم لم يسبق له أن ظهر في الأمَّة في القرون الماضية، ذلك أنَّ الدولة في التاريخ الإسلامي لم تكن منفكَّة عن الإسلام عقيدة وشريعة، بغضِّ النظر عن مستوى الفهم والتطبيق له، وهذا جعلها محلَّ رضا مِن المجتمع، وأتاح للعمل الدعوي -عمومًا- السير والنمو في ظلِّ هذه الدولة الإسلامية عبر التاريخ، وانشغاله بالتعليم والتربية والتوجيه والاحتساب والخطابة والفتوى، دون أن يجد أيَّ معوِّقات سياسية أو قانونية تعمل على تقييده، إلَّا في حالات نادرة حكمتها ظروف صراع مذهبي أو خلاف شخصي.

أمَّا في ظلِّ الأنظمة المعاصرة التي تعاني مِن حالة انفكاك بين النخب الحاكمة وهويَّة الأمَّة، وبروز جماعات إسلامية تدعو لاستعادة حكم الإسلام وإقامة دولته في الحياة والمجتمع، وسريان مفاهيم علمانية مناهضة للدين في ميدان السياسة ومكوِّنات السلطة، ودخول بعض الجماعات ميدان العمل السياسي عبر وسيلة الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية، فإنَّ هذا الجدل أصبح حاضرًا، ويتنامى مع كلِّ تجربة حديثة ومنعطف جديد.

هذا المقال يحاول الإسهام بإضاءات سريعة في هذا الشأن، بما يسمح له المقام.

الدولة الحديثة وبنية الأنظمة المعاصرة:

مِن الأمور التي ينبغي استحضارها في هذا المقام هو تحديد طبيعة رؤيتنا السليمة للدول القائمة الحديثة، وبنية الأنظمة المعاصرة فيها، ذلك أنَّ فهمنا لطبيعة هذه الدول القائمة وبنية الأنظمة التي تحكمها، ومدى قربها أو بعدها عن الالتزام بالإسلام في الحكم، هو خطوة أولى نحو تشخيص الحالة التي نحن بصدد توليد علاج مناسب لها، ودون هذه الرؤية الدقيقة والتي ينبغي أن تقوم على معطيات شاملة وواضحة ومعيارية، وتمييز كلِّ بلد عن الآخر حسب الواقع والحقائق، دون تعميم أو إسقاطات متكلَّفة، فما يمكن أن نقرِّره في بلد يمكن ألَّا نقرِّره في بلد آخر، والعكس صحيح.

وفي حالة التقييم ينبغي أن نُبعِد التقييم الانطباعي، أو التقييم الذي يستصحب التاريخ الذي جرت عليه أحداث غيَّرت مجراه ووجَّهت مساره، بمعنى أنَّنا مطالبون بتقييم الواقع كما هو، وفق دراسة علمية وموضوعية، تأخذ بعين الاعتبار المعطيات القائمة مع تحديد أوزانها وتأثيرها.

ومِن ثمَّ، وبعد إجراء التقييم ينبغي تحديد ما هي المساحات المتاحة التي ينبغي العمل فيها، وما هي الجوانب التي ينبغي إصلاحها، والجوانب التي ينبغي تعزيزها، ومِن ثمَّ تحديد ما هي الوظيفة الكلِّية التي يريد العمل الإسلامي تبنِّيها، أهي الإصلاح أم التغيير، وما هي الطرق السياسية السلمية الأنسب للإصلاح، وتلك الأنسب للتغيير.

هذه أولى خطوات البحث الذي يفترض أن يسبق التأصيل للمسألة.

التجارب السابقة.. النجاحات والإخفاقات:

لا شكَّ أنَّ مائة عام على سقوط الخلافة العثمانية، وبروز الدولة الحديثة، وظهور جماعات إسلامية، كان كفيلًا بوجود ثراء في التجارب، في الميدان السياسي، وهذه التجارب تمتدُّ على مستوى الرقعة الجغرافية مِن المحيط إلى المحيط، حيث ينبغي اعتبار التجارب الإسلامية لا العربية فقط، وهي تجارب ينبغي تقييمها، مِن حيث أهدافها وتشكُّلاتها ووظائفها وإنجازاتها وإخفاقاتها، مع مراعاة السياقات التاريخية وفوارق البيئة والمجتمع على امتداد الجغرافيا، وطبيعة التحدِّيات والفرص التي واجهتها، ومدى تأثير اجتماع الحضور "الدعوي السياسي" ممزوجين في كيان واحد، ومدى تأثير حضورهما منفصلين عن بعضهما البعض، والتبعات والآثار التي ترتَّبت هنا وهناك، سواء على الجماعة نفسها، أو على الحالة الدينية والدعوية، أو على المجتمع، أو على السلطة والدولة.

فلا يمكن إقرار آثار دون العودة إلى تجارب فعلية، والبحث في العلل والمؤثِّرات والعوامل والأسباب، وتقديم قراءة تحليلية شاملة ومعمَّقة للظروف والملابسات، بعيدًا عن أيِّ نظرة منحازة تفتقد للحياد الموضوعي الذي ينبغي أن يتحلَّى به البحث لضمان العدل والإنصاف في تقدير الأمور والحكم عليها.

كما أنَّ مقارنة نتائج وآثار هذين الخطَّين مِن التجارب، الدعوي السياسي والسياسي المنفكِّ عن الدعوي، ينبغي أن تحكم بمعايير قابلة للقياس، وإحصاءات وأرقام وبيانات، وأن ترتبط بتفسيرات علمية نابعة مِن البيئة ذاتها والظرف الذي حكم تلك الآثار، مع اعتبار أنَّ الحكم النهائي سيكون لتغليب تلك الأوزان بعد المقارنة بينها.

معنى الفصل بين الدعوي والسياسي:

رغم الجدل الدائر بين الأطراف الإسلامية حول مدى جدوى فصل السياسي عن الدعوي إلَّا أنَّ مِن الواضح أنَّ هذه الأطراف تؤسِّس دون شعور مِنها للاتِّفاق على أنَّ هناك تخصُّصان وميدانان: سياسي ودعوي، ومِن ثمَّ مدى إمكانية الفصل بينهما، لأنَّه لا يمكن الجدال عن فصل شيء واحد له هوِّية أو ماهيَّة واحدة. إذن فالطرفان المتجادلان -شعرا أو لم يشعرا- يميِّزان في وعيهما بين الأمرين، غير أنَّ جدلهما حول ما إذا كان الأولى بقاءهما معًا في كيان واحد ودور واحد ووظيفة واحدة، أم فكُّ الارتباط بينهما بحيث ينصرف كلٌّ مِنهما عن ميدان الآخر.

إذا سلَّمنا بهذه الحقيقة في وعي الطرفين، وانطلقنا مِنها للقول بأنَّ هناك فوارق فعلية بين الدعوة والسياسة، إن على صعيد الميدان والأدوار والوظائف والمرجعيَّات، لا في عالم الواقع فقط بل وفي عالم التنظير أيضا.

فالدعوة اشتقاقًا تتضمَّن بعدًا إعلاميًّا لا سلطويًّا، بخلاف السياسة إذ هي تشير في العرف إلى بعد سلطوي لا إعلامي. فكوني أدعو مجتمعا ما لدين أو مذهب، لا يستلزم أن أكون متسلِّطًا عليهم، بخلاف السياسة إذ لا يمكنني سياسة مجتمع دون سلطة وتحكُّم، إذن معنى الدعوة والسياسة وما يستلزمه كلٌّ مِنهما في البعد النظري يختلف مِن لفظ لآخر، وهذا يعني أن نعطي لكلٍّ مِنهما تصوُّرًا صحيحًا قبل النزول إلى عالم الواقع العملي.

كما أنَّ الدعوة جانب إرشادي يرتبط بالضمير والإيمان، أمَّا السياسة مِن حيث هي ترتبط بالواقع وعالم الشهادة، وفي حين تعتمد الدعوة على الكلمة تعتمد السياسة على القوَّة والمال والسلطة وغيرها مِن الأدوات، لهذا أشار عدد مِن علماء الإسلام إلى أنَّ غياب العلماء عن ميدان السياسة في التاريخ الإسلامي شكَّل تحوُّلًا في افتراق القرآن عن السلطان، والكتاب عن الحديد، بحيث أصبح الحكَّام رجال دولة وأصبح العلماء رجال دعوة؛ وأولئك سلطانهم على الأبدان وهؤلاء سلطانهم على الأرواح. وفي الأثر: "صنفان إذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس: العلماء والأمراء"، وهم حسب تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية: "أهل الكتاب وأهل الحديد"؛ "ولهذا كان في الأزمان المتأخِّرة الكتاب للعلماء والعُبَّاد، والميزان للوزراء والكتَّاب وأهل الديوان، والحديد للأمراء والأجناد".

وهذا التباين في الأدوار، بما يقتضيه مِن تباين في الخصائص والسمات والقدرات والملكات، جاء في النصِّ القرآني مثبتًا، فحين طلب بنو إسرائيل مِن نبي لهم أن يبعث لهم ملكًا، لم يعترض النبيُّ على طلبهم، ولم يقدِّم نفسه ملكًا سياسيًّا، بل سأل الله تعالى أن يصطفي مِن بينهم ملكًا، فكان طالوت، لأنَّ الله زاده بسطة في العلم والجسم، ومعلوم أنَّ العلم هنا هو علم السياسة والحرب لا علم الشريعة، فالنبيُّ أعلم بها مِنه. فأبان الله تعالى أنَّه يمكن أن يقوم في الأمَّة المسلمة نبيٌّ وملك، هذا يبلِّغ الدين ويربِّي أمَّته عليه، وهذا يقيم سلطان الأمَّة ويدافع عن حقوقها ومصالحها.

وهنا يمكن عدَّة معاني لفصل الدعوي عن السياسي:

فصل الكيانات والأشخاص: بأن يكون لكلِّ ميدان كيانه ورجاله المنشغلون به، فهذا حزب سياسي يعمل في مجال السياسة، وهذه جماعة دعوية تعمل في مجال الدعوة والتعليم والتربية والإرشاد والإفتاء والوعظ والتذكير.

فصل في الأدوار والوظائف: بأن يمارس المنشغلون بالسياسة وإن كانوا دعاة أو علماء بالمجال السياسي اختصاصًا، متخفِّفين مِن الأدوار الدعوية، وهذا يتطلَّب مِنهم تمييزًا بين أدوارهم كعلماء ودعاة وبين أدوارهم كسلطة وقيادة، بحيث لا يقعوا في الخطأ، وهذا كتمييز الداعية الطبيب بين دوره كداعية في المسجد، ودوره كطبيب في المشفى، ففي المستشفى هو معني باستنقاذ الأنفس مِن الموت، وفي المسجد هو معني باستنقاذ الأرواح مِن العذاب.

فصل في المرجعيَّات والمعايير: فالداعية مرجعيَّاته المصالح الأخروية، والسياسي مرجعيَّاته المصالح الدنيوية، لهذا يجوز للسياسي أن يتألَّف بعض الناس بالمال رغم فجورهم، رغم ما في إعطائهم مِن المال مِن إعانة على فجورهم، لأنَّه ينشد مصلحة دنيوية، كما يجوز للسياسي إكراه الناس على الطاعة ولا يجوز للداعية إكراه الناس على الإيمان، والداعية يختار للأمور الصالح مِن الناس، والسياسي يختار للأمور القويَّ مِن الناس.

فصل الخصومة والعداء: وهو الفصل العلماني، الذي يفصل الدين والدعوة عن الدولة مطلقًا، وربَّما نفاهما عن الحياة، ورأى في الدين والدعوة تهديدًا للعلم والعقل والمصلحة.

ولا أظنُّ الجدال داخل التيَّارات الإسلامية ينحو في مفهوم الفصل بين الدعوي والسياسي إلى المعنى الرابع، فهذا مخالف لمبادئ الإسلام، بل لمفهوم الإسلام الصحيح، لكنَّه يدور في المفاهيم الثلاثة الأولى، وهي مفاهيم لا تستعدي الدين، ولا تحاصره، وإنَّما تميِّز بين دوائر الاختصاص والمهام والصلاحيَّات.

وقد ذهب ابن خلدون، في مقدِّمته، إلى أنَّ "العلماء ـ مِن بين البشرـ أبعد عن السياسة ومذاهبها"، فلا يرى صلاحهم للسياسة، لا مِن منطلق خصومة معهم، أو كراهية للدين الذي يحملوه، ولكن لطريقة تفكيرهم، لهذا يقول: "والسبب في ذلك أنَّهم معتادون النظر الفكري، والغوص في المعاني، وانتزاعها مِن المحسوسات، وتجريدها في الذهن أمورًا كلِّية عامَّة، ليحكموا عليها بأمر العموم لا بخصوص مادَّة ولا شخص ولا جيل ولا أمَّة ولا صنف مِن الناس، ويُطبِّقون مِن بعد ذلك الكلِّي على الخارجيَّات؛ وأيضًا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها، بما اعتادوه مِن القياس الفقهي، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلُّها في الذهن، ولا تصير إلى المطابقة إلَّا بعد الفراغ مِن البحث والنظر، ولا تصير بالجملة إلى مطابقة، وإنَّما يتفرَّع ما في الخارج عمَّا في الذهن مِن ذلك، كالأحكام الشرعية فإنَّها فروع عمَّا في المحفوظ مِن أدلَّة الكتاب والسنَّة، فتُطلُب مُطابقة ما في الخارج لها، عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تُطلب في صحَّتها مطابقتها لما في الخارج، فهم متعوِّدون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية، لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها مِن الأحوال ويتبعها، فإنَّها خفيَّة.. ".

إذن، فطريقة علماء الشريعة وأهل الدعوة في تعاملهم مع السياسة تحكمها عقلية ومنهج تفكير لا يتناسب مع الحوادث والوقائع، وهذا يوقعهم في أخطاء بالغة، نتيجة التعميم والقياس دون النظر للفروق الخفية والجانب المركَّب في هذه الحوادث والوقائع، هذا فضلًا عن نفسيَّاتهم التي تنشأ في بيئات صالحة متشاكلة، وتربية طيِّبة وورعة، يسودها الصدق والإخلاص، وهذا ما جعل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد أثنى على صدق أبي ذرٍّ -رضي الله عنه، أن يقول له: "يا أبا ذَرٍّ.. إنِّي أراكَ ضَعِيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لِنَفسِي، لا تَأَمَّرَنَّ علَى اثنَينِ، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ". فكون الشخص صالحًا وصادقًا وأمينًا وتقيًّا شيء، وكونه مؤهَّلًا للسلطة والحكم والسياسة شيء آخر، وإذا جاز أن يوجِّه النبيُّ صاحبيًّا إلى عدم التأمُّر والولاية مع صدقه فمراعاة ذلك في مَن تتحقُّق فيهم هذه المعاني مشروع.

هذا الملحظ يجعل مِن الضروري الاعتدال في الموقف إزاء المطالبين بفصل الدعوي عن السياسي، فهذا كلام لابن خلدون قديم، قبل ظهور العلمانية ومفاهيمها، وهو يقوم على بعد تحليلي لنفسية وشخصية الفقيه والسياسي، وكيف أنَّ التفاوت بينهما يمنع مِن قيام بعضهم بأدوار البعض الآخر، فالفقيه والعالم والداعية ينبغي أن يتجنَّب السياسة باعتبارات في الجوانب النفسية والشخصية والمعرفية والتفكيرية، ما لم يتأهَّل للأمر تأهُّلًا مناسبًا، خصوصًا وأنَّ أمر السلطان والقرآن افترقا في الأمَّة مِن وقت مبكِّر، حيث ندر أن يوجد عالم بالشريعة خبير بالسياسة يدبِّر شئون الأمَّة على أحسن ما ينبغي تدبيره مِن السنَّة المهدية الراشدة. وفي الأثر: "ألا إنَّ الكتابَ والسُّلطانَ سيفترِقان".

وقد أشار ابن تيمية -رحمه الله- إلى أزمة بعض الفقهاء الجاهلين بالسياسة زمن خلافة بني العبَّاس، حيث "احتاجوا إلى سياسة الناس، وتقلَّد لهم القضاء مَن تقلَّده مِن فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم مِن العلم كافيًا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع، وتعاظم الأمر في كثير مِن أمصار المسلمين، حتَّى صار يُقال: الشرع والسياسة، وهذا يدعو خصمه إلى الشرع، وهذا يدعو إلى السياسة، فسوَّغ حاكمًا أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة، والسبب في ذلك أنَّ الذين انتسبوا إلى الشرع قصَّروا في معرفة السنَّة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيَّعوا الحقوق، وعطَّلوا الحدود، حتَّى تُسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح المحرَّمات".

وذكر ابن القيم -رحمه الله- الجدل الذي نشأ في حقبة مِن تلك الحقب التي تراجع فيها إدراك بعض العلماء والفقهاء للسياسة، فقال: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء، فقال ابن عقيل: العمل بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو مِنه إمام؛ وقال الآخر: لا سياسة إلَّا ما وافق الشرع؛ فقال ابن عقيل: السياسة ما كان مِن الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلَّى الله عليه وسلّم، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.. أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى مِن الخلفاء الراشدين مِن القتل والمـُثُل ما لا يجحده عالم بالسِّير، ولو لم يكن إلَّا تحريق المصاحف كان رأيًّا اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق علي -رضي الله عنه- الزنادقة في الأخاديد، ونفي عمر -رضي الله عنه- نصر بن حجَّاج".

 

المآلات.. بين التبشير والتحذير:

يتنازع طرفا الجدال صور المآلات التي قد تصيب العمل الإسلامي في حال فصل الدعوي عن السياسي، ما بين فريق يبشِّر بالنجاحات والمكاسب استنادًا إلى أنَّ التخصُّص والتفرُّغ والتأهُّل كفيل بحسن الأداء واستغلال الفرص وتقديم الحلول الأنسب وخلق النجاحات، وفريق يحذِّر مِن الانتكاسات والانحرافات التي قد تطرأ على العاملين في الميدان السياسي استنادًا إلى تجارب ونماذج سابقة، وقراءة الطرفين للمآلات نابعة مِن موقع نظره للأمور، ومِن ثمَّ ففي كلا الطرحين شيء مِن الصواب، وهذا يتطلَّب ابتداء تقرير الرأي الأصوب، ثمَّ معالجة ما ينتج عنه مِن آثار سلبية، فإذا كان الرأي الأصوب أن يتقدَّم للسياسة أبناء الحركات والجماعات الإسلامية المؤهَّلين والأجدر بها، وإن لم يكونوا مِن العلماء والدعاة، فيفصل العمل الدعوي عن العمل السياسي ويكون لكلٍّ مِنهما كيانه وخطَّته ورجاله، رُجِّح هذا الخيار وعولجت السلبيَّات التي قد تنشأ عنه، وإن كان الرأي الأصوب أن تبقى الحركات والجماعات الإسلامية جامعة بين السياسة والدعوة رجِّح هذا الخيار وعولجت السلبيَّات التي قد تنشأ عنه.

والمفاضلة لا تتوقَّف على اعتبار واحد، بل تتوقَّف على عدَّة عوامل تشمل قدرات الحركات والجماعات الإسلامية وإمكاناتها، وطبيعة بيئاتها المحلِّية مجتمعيًّا وعلى صعيد النخب والنظام السياسي، والتحدِّيات والمخاطر الداخلية والخارجية، وغير ذلك مِن العوامل، كما أنَّها لا تتوقَّف على تجربة هنا وأخرى هناك، ما لم تجري مقارنة دقيقة، وتقييم عميق لكلِّ تجربة في ظروفها وسياقاتها؛ وليس مِن العدل إسقاط تجربة في بلد ومجتمع على بلد ومجتمع مختلف، ولا في زمن وسياقات ظرفية على زمن وسياقات ظرفية مختلفة، فالقياس والمثال ينبغي أن يكون متطابقًا.

الخاتمة:

نخلص ممَّا سبق أنَّ فصل الدعوي عن السياسي ثبت بالقرآن الكريم في قصَّة طالوت، وأشارت إليه وصيَّة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- وهو يحثُّ بعض خيار الصحابة -رضي الله عنهم- على عدم التأمُّر وتولِّي ولاية للمسلمين، رغم صلاحهم وصدقهم وأمانتهم وحفظهم للكتاب والسنَّة، ووقع مثله في التاريخ الإسلامي، وصرَّح ابن خلدون بمثله مِن قبيل رعاية النفسيَّات والشخصيَّات وطرق التفكير والحكم، ومِن ثمَّ فافتعال أزمة وتهمة لمـَن يحملون هذا المطلب نصحًا في وسط التيَّار والعمل الإسلامي استدراكًا على الواقع الذي تحيط به الإخفاقات والتجارب الفاشلة والتهديدات والمخاطر، في سبيل أن يتولَّى الشأن العام مَن هو أهل له، على المستوى النفسي والعقلي والمعرفي والسلوكي والقدرات لا يليق بمؤمن أمر باستماع القول واتِّباع أحسنه.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.