wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كيف يمكن للمؤسسات الدينية ضبط الخطاب الديني عبر الانترنت؟

كيف يمكن للمؤسسات الدينية ضبط الخطاب الديني عبر الإنترنت؟

د. حسان أبوعرقوب

مدير مديرية الإفتاء الإلكتروني

بدائرة الإفتاء العام الأردنية

 

إن الخطاب الديني من أوسع الخطابات انتشاراً عبر وسائل الإعلام المختلفة، وهدفه إطلاع الناس من مؤمنين وغيرهم على تعاليم الدين، وبيانها لهم، لتكون منهجاً للمعتقدين، ودعوة لغير المعتقدين. 

والمتتبع للخطاب الديني عبر الإنترنت وغيره سيلحظ الغثّ والسمين، والنافع والضّارّ، والجيّد والرديء، وربما كان الإنترنت هو المنبر الأخطر بين سائر المنابر؛ لأنه واسع الانتشار، سهل التداول والانتقال، وهو منبر مفتوح لكلّ راغب، وتصعب السيطرة على محتواه إلى حدّ كبير مقارنة مع غيره من المنابر التقليدية. لذا كان لزاما على المؤسسات الدينية أن تبذل جهدا كبيرا لضبط هذا الخطاب للحدّ من ضرره وآفاته، وتعزيز المحتوى الجيّد فيه.

وإذا تتبعنا الخطاب الديني عبر الإنترنت سنلحظ مجموعة من الآفات التي تحد من نجاحه الفعلي، وأقول الفعلي؛ لأنه ربما نجح بمعنى انتشر، لكنه يفتقد إلى الثمرات الحقيقية المرجوة منه، ممّا يشوش على الناس دينهم، ويوقعهم في تيه وحيرة، ومن أبرز هذه الآفات:

أولاً: استعمال لغة التكفير والتفسيق:

حيث يعتبر أصحاب هذا الخطاب أنفسهم على الحق، وأن من لم يعتقد معتقدهم أو خالفهم فاسق ضال، والعجيب أن هذا الكلام موجه لأبناء دينهم، وفي مسائل خلافية! فمثلاً اتهام من زار قبراً لأحد الأولياء بأنه مشرك، قد ضل الطريق، وافتقر إلى العقيدة السليمة، بل من لم يكفره فهو كافر مثله. وهذه لغة غاية في الإقصاء، فالحكم على إيمان الناس وعقيدتهم لا يصح أن يكون جزافاً بهذا الشكل. بل لا بد أولا من التأكد من صحة معتقدهم، وسبيل هذا الحوار معهم. فإن وجد عندهم خطأ علمهم الصواب، وإن لم يجد نبه على أن لهم وجهاً في فعلهم، قد لا نتفق معه فيه ولا نحبذه. أما إطلاق الأوصاف من التبديع والتضليل، فإنه ينقل هذا المنهج لباقي المتابعين، مما ينشر هذه الثقافة الإقصائيّة في المجتمع، ويساهم في انقسامه، وبعد ذلك يثمر التطرف والإرهاب؛ لأنني عندها أرى من أمامي إما مشركاً أو مبتدعاً ضالاً.

ثانياً: التعصّب المذهبي:

وجود المذاهب من الأمور الطبيعية منذ نشأة الدين، أما التعصب فهو المذموم في كل زمان ومكان؛ لأنه يخرج صاحبه عن طريق العدل والإنصاف، ويجعله متوحداً مع المذهب حتى لا يرى سواه، فيعطل العقل والفكر، ويصاب العقل بالجمود ورفض الآخر، وبدل أن يستثمر المتعصب وقته بالدراسة والعلم، يصبح مشغولاً بتتبع سقطات الآخرين والرد عليهم، ولا نهاية لهذا العمل، وكلما زادت الردود زادت العداوات بشكل طردي، فيعيش ضحايا خطاب التعصب في دائرة الكُره المتبادل مع كل مخالف، ويشيع ثقافة كره الآخر ورفضه في المجتمع، مما يؤدي إلى التطرف والإرهاب. وكم مارس المتعصبون العنف من زمن بعيد ولا يزالون.

ثالثاً: عدم التمييز بين ما هو نص إلهي واجتهاد بشري: وهذه آفة عظمى، إذ النص الإلهي له قدسيته واحترامه، ولا يسع المتدين أن يخالفه أو يعرض عنه، وإلا لن يكون لتدينه معنى، أما الاجتهاد في فهم النص فيبقى جهداً بشرياً ليس له ذات القداسة وإن كان له الاحترام والتقدير، فهو قابل للأخذ والرد والمخالفة، إذ يتعبد الناس بكلام خالقهم لا بكلام مخلوق مثلهم. والمشكلة تكمن في رفع الاجتهاد البشري إلى قداسة النص الإلهي، مما يحظر على عقول الناس من الاقتراب أو البحث في اجتهاد بشري، ربما وُجد عند الآخرين ما هو خير منه.

رابعاً: البعد عن الواقع:

ويمكن ملاحظة هذه الآفة من خلال بعض المواضيع المقدمة، فبينما يعيش الناس في أزمات لا يعلمها إلا الله تعالى نجد من يخصص حلقة عن حرمة حلق اللحية، أو وجوب وجود السترة للمصلي، وكلها مسائل خلافية، لن يسهم تخصيص حلقة أو كتاب لها بنهضة الأمة حضارياً، بل الخلاف فيها يسع الجميع، فهي ليست قضايا عقدية ينبني عليها إيمان الشخص من عدمه.

خامساً: استعمال الخرافات والقصص:

يبنى الدين السماوي على نص إلهي، والمطلوب إيصاله للناس، أما الاستعانة بالقصص والخرافات والأكاذيب فمن أشنع ما يستعمل، مع أنه عذب على المسامع تقبله الأنفس، وتتخدر به العقول، وتبكي بسببه الأعين، مثاله: ما ينشر عن الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية الشريفة، ورسالته المعروفة التي إن صوّرتها حصل لك الخير، وإن أهملتها فلك الويلُ والثبور، وستقعُ على رأسِك عظائمُ الأمور. وما يرويه بعض الدعاة من قصص لا أصل لها ولا سند، ينقلونها عن عامة الناس، ويشيعونها بينهم كأنها نص مقدس، فهذه البنت قد شلت لأنها عصت أمر والدتها، وذاك جُنّ لأنه رفض أمر أبيه، وآخر افتقر لأنه لم يتبرع للجهة الفلانية، وهذه أصابها السرطان لأنها لم تتحجب، ومثله كثير مما يكرس فكرة عن الإله أنه يعاقب عباده فقط، وليس رحيماً بهم، عفواً عنهم، غفوراً لذنوبهم وزلاتهم.

هذا غيض من فيض، ولكنني وددت أن أمرّ على هذه الآفات سريعاً حتى تتجلى خطورة الموضوع، فالمتابع للخطاب الديني عبر الإنترنت يدرك أنه بجملته يميل عن الهدف المنشود، ويحمل في طياته مجموعة من السلبيات المدمّرة والمنفّرة.

كلّ هذا الزَّبد -الذي نلاحظه في الخطاب الديني عبر الإنترنت -يطفو باسم الدّين، ليشوِّه صورته، ولا يُعبّر عن حقيقته.

والسؤال المُلحّ الآن، كيف يمكن للمؤسسات الدينية أن تسهم في ضبط الخطاب الديني عبر الإنترنت؟ 

لا شكّ أنّ الموضوع متشعب وكبير، ولكنني سأضع مجموعة من الإضاءات حول الموضوع، لتكون أساسا للجواب عن هذا السؤال، مميّزا بين "ضبط الخطاب الديني" بمعنى تحسين جودته وموثوقيته وتعزيز المسؤولية المهنية، وبين فرض رقابة صارمة على الآراء الدينية؛ حيث يبنى المعنى الأوّل على أخذ زمام المبادرة والمنافسة، ومن ثمّ رفع منسوب الوعي عند الناس من خلال المناقشة والمقارنة، وهو شأن دعوي ثقافي، وهو مجال مقالي هذا. بينما يبنى الثاني على المنع والتّحكم والتضييق والإلغاء وهو أمر له ارتباط وثيق بحرية التعبير والتعددية الفكرية، والقوانين والأنظمة الناظمة لهما، وهو شأن أمني قانوني.

ولتكون المؤسسات الدينية ضابطة لإيقاع ما ينشر عبر الإنترنت لا بد لها أن تكون صاحبة المبادرة، ولا تكتفي بالخمول، والاقتصار على ردات الفعل، ومما يعين على ذلك:

حضور المؤسسات الرسمية في فضاء الإنترنت:

الطبيعة لا تقبل الفراغ، فإذا تحصّنت تلك المؤسسات الدينية خلف وسائلها التقليدية ستفقد الكثير، ولن يكون لكلمتها صدى، وربما دخلت في حالة الموت السريري، لتنتقل بعدها إلى رحمته تعالى. 

ومن هنا صار لزاما على هذه المؤسسات الدينية أن تعمل ضمن حسابات موثقة لإيصال صوتها، وأن توفر منصات خاصة للإجابة عن الأسئلة الشرعية، وأن تبني قواعد بيانات رقمية للفتاوى والبحوث يسهل الوصول إليها، وأن تستخدم الفيديوهات القصيرة و"البودكاست" والبث المباشر للوصول إلى شرائح أوسع من الناس، فليس المطلوب من المؤسسات الحضور بمعنى إثبات أنها على قيد الحياة، بل المطلوب هو المنافسة والتميّز والإبداع. ولتحقيق ذلك لا بد من الخطوة التالية وهي:

تأهيل الدعاة والعلماء رقمياً:

بما أن الإنترنت صار ساحة للتنافس، فلا بدّ من تأهيل العلماء والدعاة للتعامل وفق قوانين هذه الساحة، من حيث مهارات التواصل، وكيفية الكتابة الجاذبة والماتعة، وكيفية التحدث بطريقة سهلة ومبسطة، مع الحفاظ على الهوية البصرية الخاصة بالمؤسسة، وكلّ ذلك يقودنا إلى الخطوة التالية وهي:

تقديم المحتوى الديني بشكل موثوق وجذاب:

الثقة من أهمّ جسور التواصل بين المؤسسات الدينية والجمهور، لذا ينبغي أن تحرص هذه المؤسسات على كلّ ما تنتجه من كلمة مقروءة أو مسموعة أن يكون صحيحا بعيدا عن أي حسابات أخرى، مراعية في ذلك رضى الخالق سبحانه، لا رضى غيره من مسؤول أو جمهور. ومع ذلك لا بدّ من تقديم هذا المحتوى الموثوق بشكل أنيق وجذّاب، فالهدية حين توضع في صندوق أنيق، وتلف بورق جميل تتضاعف قيمتها عند المهدى إليه، وهكذا هو المحتوى، لا بد من مراعاة المسائل الفنية في تقديمه كما تراعى المسائل العلمية.

ومما يحسن ذكره هنا، أنّ جمهور الإنترنت واسع وعريض ومتنوع، فيه المرأة والرجل، والكبير والصغير، والمثقف وغيره، والعالم والجاهل، والمؤمن والملحد، فينبغي أن يجد كل واحد منهم نصيبه من هذا الخطاب، من حيث تنوع الموضوعات وسهولة اللغة وبساطتها. وهذا يقودنا إلى أهم الواجبات التي ينبغي القيام بها وهي:

مكافحة المعلومات الدينية المضللة أو المغلوطة:

المعلومة الخطأ أو المغلوطة أو المضللة كلها تقود المتديّن إلى غير الطريق الصحيح، ولمواجهة هذا الانحراف لا بدّ من إنشاء وحدات إعلامية متخصصة لرصد الشائعات والفتاوى الشاذة المنتشرة عبر الإنترنت، وبيان فسادها وعطبها، والردّ عليها وتصحيحها من خلال الأدلة الشرعية. وهذا يقودنا إلى أحد أهم طرق التصحيح ونشر الوعي ويكون ذلك من خلال:

الحوار والانفتاح:

لا يعتبر التواصل الأحادي مجديا في هذا الزمن، حيث تنتشر ساحات النقاش ومساحات الحوار بين الناس، لذا لا بد من فتح هذه الساحات للنقاش، وتأمين تلك المساحات للحوار، حيث يرتفع منسوب الوعي، وتزداد الثقة، وتبنى جسور التواصل، كي لا تكون تلك المؤسسات ضمن الحالة الافتراضية فقط، مما يشجع الناس على طرح مشكلاتهم وبيان أنماط تفكيرهم، وهذا يسهل عملية التواصل معهم، بدلا من التخندق خلف الشاشات، وجعلها حاجزا بين المؤسسة والناس. وهذا بطبيعة الحال سيقودنا إلى ضرورة تنظيم تلك الحوارات والمشاركات، فلا بد من:

وضع معايير مهنية وأخلاقية للخطاب الديني الرقمي:

ويكون ذلك من خلال التأكيد على قيم الوسطية والاعتدال، واحترام الاختلاف، وذلك لا يعني موافقته على رأيه، لكن يعني احترام حقه في أن يكون له رأي، وهذا السبيل يقودنا للحد من خطاب التحريض والتفسيق والتبديع والتكفير والتشهير، ومحاولة القضاء على "الخصم"، لذلك لا مناص من تشجيع الشفافية في عرض الآراء الفقهية المختلفة والمتعددة، بعيدا عن التعصب، وبيان وجهة السّعة في ديننا الحنيف.

  فالمطلوب -إذن-أن تُحدّد المؤسسات الدينية أولويات الخطاب الديني للسّير عليها، مبتعدة عن غثاء الإنترنت الذي بدا يطفو على السطح والذي يضرّ ولا يَنفع، ويُفرّق ولا يُوحّد، وتكمن هذه الأولويات من وجهة نظري في أمرين: الشّكل والمضمون.

أمّا من حيث الشّكل، فاستعمال اللغة الدعوية التي أمر الله تعالى سيدنا موسى وسيدنا هارون باستعمالها مع فرعون حيث قال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} كذلك استعمال الحال التي كان عليها سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال الله فيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} فلغة اللين في اللسان والقلب هي اللغة المؤثرة والمحرّكة للإنسان.

أمّا من حيث المضمون، فالتركيز على مواضيع العقيدة الإسلامية والتوحيد؛ لأنها أساس الدّين، ولا يمكن البناء دون أساس، ثم بيان أحكام العبادات المعاملات، التي تضبط علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، ثم الحضّ على مكارم الأخلاق، فالصدق والأمانة والإخلاص والوفاء، والعدل والإحسان والرحمة من القيم الأخلاقية التي لا يستقيم دينُ الإنسان دونها، كما أنّها تعزّز شخصية الفرد، وتحمي النسيج المجتمعي، وأخيرًا التذكير بقضايا الأمة الكبرى: مثل القضية الفلسطينية، والقدس الشريف، ونبذ الفرقة والاختلاف، والدعوة إلى لمِّ الشمل، ووحدة الصفّ، ومشاكل التنمية، وعوائق التقدم الحضاري، ومناقشة قضايا: الفقر والبطالة والعدالة الاجتماعية.

وبهذا الترتيب للأولويات الشكلية والموضوعية سيتحسّن أداء الخطاب الديني، وتتحسّن نتائجه على صعيد الفرد والمجتمع، والله وليّ التوفيق.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.