wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الثقة بالله أولاً..؟!

الثقة بالله أولاً..؟!

أ. مزاحم إدريس الحمداني

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ 173فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ 174) [آل عمران: 173- 174].

الثقة بالله والثقة بالنفس هما أساس النجاح، والذين يتقدمون في ميادين الحياة المختلفة هم الذين يَثقون بالله وبأنفسهم، تجدهم في أشد حالات المِحن مبتسمين مستبشرين مؤملين في الله العون والثبات في تجاوز كل الصعاب، وأصدق شاهدٍ لذلك رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد، إذ كان في معركة من المعارك ومع العناء والتعب الشديد ركن إلى ظل شجرة واستلقى تحتها يرتب في ذهنه أبعاد المعركة ويفكر في أمرها.

وانصرف بذهنه كله إليها ولم يشعر إلا ومشرك من المشركين قد وضع ذبابة سيفه في عُنقه وهو يقول:( مَن يمنعك مني يا محمد؟

فنظر إليه الرسول -عليه الصلاة والسلام- بثقةٍ وبإيمان وهو يعلم أنّ الله ناصره وأنّ أمره بيده سبحانه وتعالى، فقال للمشرك: (يمنعني الله تعالى منك).

فارتعدت فرائص المشرك لهذه الكلمة المدمدمة وسقط السيف من يده، فأسرع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فأخذه ووضعه في رقبة الرجل وهو يقول: (مَن يمنعك مني أيها الرجل؟) فقال: (لا أحد غير أنّي لا أُقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك) فعفا عنه الرسول عليه -الصلاة والسلام-، فلما رجع الرجل إلى قومه قال لهم: (جئتكم من عند خير النّاس) [رواه البخاري ومسلم].

ذلك مَثل على الثقة بالله وبالنفس، وما أحوجنا إليهما في مرحلتنا الراهنة التي نعيش فيها، ما أحوجنا إلى العقيدة المتينة السليمة التي تعصمنا من الزلل وتمنعنا من الخطأ وتعطينا الآمال الكبار في الله وفي أنفسنا وفي بعضنا البعض.

إن غزوة بدرٍ الكبرى منحت المسلمين آمالاً كِباراً في النّصر الأعظم على أعداء الله من المشركين، وفتحت لهم الفتح المبين.

فأقوامٌ حفاة عُراة جياع لا يحملون من الدنيا إلا الإيمان الخالص بالله والإيمان الخالص برسول الله -صلى الله عليه وسلم- القائد الأعظم خرجوا يطلبون إحدى الحسنين، إما النّصر وإما الشهادة في سبيل الله، فلما نظم الرسول صفوفهم ورآهم وهم جياع عراة تألم لحالهم باكياً ناظراً إلى السماء قائلاً: (اللّهم إنّهم حفاةٌ فاحملهم اللّهم إنّهم جياع فأطعمهم، اللّهم إنّهم عراةٌ فاكسهم) [رواه أبو داود والطبراني].

وينزلون إلى المعركة لا يأبهون لجوعٍ أو لعِرى، وإنّما يطلبون النصر أو الشهادة في سبيل الله.. اعتمدوا على إمكانياتهم الضئيلة وعلى صلابتهم في الحق، وعلى الإيمان الذي يزلزل الجبال ويحطم الظالمين، وما هي إلا جولة على أعداء الله، وصولة من الحق على الباطل فأُزهق الباطل وانمحى، وأسروا هؤلاء الذين جاؤا لا يؤيدون عقيدةً ولا يعملون من أجل غاية، وأذاقوا الموت الزؤام لمَن أرادوا الفخر بحربهم هذه أو التباهي بها، فأُرغمت أنوفهم في التراب ، وتم النّصر للمسلمين على أعدائهم من المشركين، وفي ذلك يقول رب العزة: (وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ (123) إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 126) [آل عمران: 123 – 126].

لو نظرنا إلى هذه الآيات لوجدنا أنّ الله يأمر فيها بتقوى الله، وتقواه تؤدي إلى معرفة حقه سبحانه وتعالى علينا وهي سبيلنا إلى شكره والاخلاص له، وتقوى الله تعطينا الثقة الكاملة به وبأنفسنا فلا ملجأ لنا من الله إلا إليه ولا كرامة لنا في هذه الدنيا إلا إذا استمسكنا بحبله المتين، ولا خروج للإنسان من محنته إلا إذا اعتمد عليه.. ذاكراً أنّ الأمر كله إليه شاعراً بمسؤوليته كإنسان يعيش لغاية ويعمل لغاية ويسعى إلى هدف كريم في هذه الحياة.. ويربي ضميرهُ التربية التي تليق بإنسانية الإنسان وبتكريم الله للإنسان لقوله عزّ وجلّ: (وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ..) [الإسراء:70].

وتكرر التقوى في الآية الثانية ومعها الصبر، فيقول الله تعالى: (بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ..) [آل عمران: 125].

فالصبر حبس النّفس على ما تكره، والنّفس تحب الحياة وتخشى الموت، ولكن النّفس المؤمنة بربها تتمنى الشهادة كما تمناها سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، فَوَدَّ أن يُقتل في سبيل الله، ثم يحيا، ثم يقتل، ثم يحيا أكثر من مرّة كي ينال ثواب الشهداء، وكي يكون حياً عند ربه يرزق، محققاً قول العزيز العليم: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 170﴾ [آل عمران: 169-170].

بتقوى الله تعالى مع الصبر والإيمان والثقة به سبحانه وبالنّفس نكسب الحياة ونتغلب على الأعداء في المعارك المصيرية.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.