
يبدو أن ممارسة حركة النهضة التونسية للحكم، بكل تداعياتها وتفاعلاتها ومآلاتها، جعلت شخصية قيادية رفيعة المستوى بمكانة الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة التونسية، يُقْدم بلا تهيب على نقد التجربة بجرأة شديدة، وبجلد قاس للذات.
ففي مشاركته مع المفكر والسياسي السوداني الصادق المهدي في ندوة «مستقبل العالم الإسلامي بين التطرف والاعتدال» التي أقامها المنتدى العالمي للوسطية مساء الأحد 5/1/2014 في مقره الرئيسي في منطقة الجبيهة، كشف الشيخ مورو عن أن الإسلاميين لا يملكون نظرية متكاملة في السياسة والحكم، وأنهم أقدموا على ممارسة السلطة دون تهيئة الإطارات المناسبة لذلك، والضامنة إنجاح التجربة، كما أنهم لم يكونوا قادرين على التمييز الزماني والمكاني بعد «الربيع العربي».
بحسب المراجعة النقدية القاسية التي قدمها نائب رئيس حركة النهضة، اتضح بجلاء أن حركة النهضة حينما أقدمت على المشاركة في الحكم، لم تكن تحسب للأمر حساباته الدقيقة والصحيحة، وأنها توهمت كغيرها من الإسلاميين أنها بحصولها على أغلبية الصناديق قد اكتسبت الشرعية المطلوبة، وغاب عنها أنها لا تمتلك على الحقيقة مناصرة النخب والقيادات المتحكمة في مفاصل الدولة والحياة.
وأكد أن من يسعى إلى حكم أي بلد، يلزمه أن يكون قادرا على الإمساك بمفاصله الحيوية والسيادية، وهو ما أطلق عليه العلامة ابن خلدون «العصبية»، فالإسلاميون بحسب الشيخ مورو لم يحسنوا قراءة الواقع بواقعية، وأخذهم الزهو بالفوز في الانتخابات البرلمانية، وهو ما أشعرهم بأنهم يحظون بشعبية عارمة وواسعة.
بدا من نقد الشيخ مورو أن تصورات الإسلاميين بحاجة إلى مراجعة شاملة وعميقة، تبدأ من تغيير نظرتهم «الساذجة» إلى العملية الانتخابية، باعتبارها الأداة القادرة على ايصال أي اتجاه أو تيار للحكم والسلطة؛ لأن وراء الانتخابات قوى متنفذة قادرة على التدخل في التجربة، وإذا تطلب الأمر تقوم بالانقلاب عليها وإفسادها. كما أكد ضرورة إعادة النظر في دور الأغلبية الشعبية، وأنها على الحقيقة لا تقدم الضمانة الحقيقية لإنجاح التجربة، في حالة مصادمة النخب (السياسية والفكرية والفنية) للمشروع الإسلامي وتطلعاته.
وفي ذات السياق، تساءل الشيخ مورو في معرض نقده للتجربة، كيف تعول الحركات الإسلامية على الشعوب، وتعتبر انحيازها لها في العمليات الانتخابية دليلا على شعبيتها، وحضورها الجماهيري الكبير، وها هي ترى ما يُفعل بالإسلاميين كما في الحالة المصرية، وتتركهم يواجهون مصير الاعتقالات والملاحقات والمحاكمات دون أن تفعل شيئاً لمساندتهم والاحتجاج على قمع السلطات لهم. تحدث الشيخ مورو عن العملية المرهقة التي سيتحمل الإسلاميون وزرها وثقلها، حينما يقومون بتسلم السلطة، بعد أن أشاعت أنظمة الحكم السابقة الفساد ورسخته في كل مفاصل الحياة، وأوصلت اقتصاديات البلاد إلى حالة هشة منهارة، فماذا بوسع الإسلاميين أن يفعلوا لمعالجة هذه الملفات الضخمة والهائلة من الفساد والانهيار الاقتصادي مع عدم امتلاكهم أدوات السلطة الحقيقية، وتحكم غيرهم في مفاصل الحياة؟
من أخطر القضايا التي أشار إليها الشيخ مورو، اعتباره أن الحكم حالة عابرة، وتأكيده أن تغيير سلوكيات الناس وأخلاقياتهم مناط بالعمل الدعوي والتربوي، ولا يحتاج إلى سلطة أو حكم، وهذا تراجع واضح عن اعتبار الحكم أداة التغيير المنشود، وأنه الطريق للوصول إلى حالة التمكين التي تفضي إلى تحقيق مشروع الدولة الإسلامية، كما هو شائع في أدبيات الحركات المتداولة.
لكن ماذا ستفعل الحركات الإسلامية التي قدمت أوراق اعتمادها للجماهير من قبل باعتبار أن مشروعها المركزي يتمثل في الوصول إلى الحكم، بعد أن منيت بالفشل الذريع في تحقيق ذلك؟ الشيخ مورو يجيب بكل بساطة: عليها أن تعود إلى ما كانت عليه من ممارسة العمل الدعوي والتربوي، وأن تسعى لتكريس قيمة الحرية في الحياة العامة، بعد أن حرمت هي وغيرها منها لعقود طويلة.
لتعزيز وجهة نظره تلك، قال الشيخ مورو: «الرسول صلى الله عليه وسلم مات ولم ينجز المشروع، وترك إنجازه لأصحابه من بعده»، موضحا أن مشروع الهداية دائم إلى قيام الساعة، وأن على الإسلاميين أن يشتغلوا بالدعوة والتربية؛ لأنهم بالتربية يتمكنوا من توسيع دوائر الخير في المجتمعات، وتقليص مساحات الشر والفساد.
ظهر واضحا من حديث الشيخ مورو أن آثار تجربة النهضة في السلطة، بفصولها القاسية والمريرة، قد عملت عملها في عقلية مفكريها ومنظريها، بعد اكتشافهم حجم التحديات الهائلة والضخمة التي لم يعدوا لها العدة الكافية، أو ربما كانت من قبل تقع في دائرة المسكوت عنه، وغير المفكر فيه، فأذهلتهم التجربة، وحملتهم على التراجع والتنازل عن الحكم، ليعودوا من جديد إلى ما كانوا عليهم في سابق عهدهم، متمتعين بأجواء حرية الحركة والدعوة التي حرموا منها طوال سنين الاستبداد الغابرة.
ابحث
التعليقات
يجب على الاسلاميين القيام
يجب على الاسلاميين القيام بمراجعة ونقد ذاتي عميق
من الجيد ان تستفيد الحركات
من الجيد ان تستفيد الحركات الاسلامية في الدول من تجارب يعضها البعض
مقال جيد نطالب بالمزيد
مقال جيد نطالب بالمزيد
الحركات التي لا تستطيع
الحركات التي لا تستطيع التغير وتقع في الجمود الى زوال
هل كان الربيع العربي خير على
هل كان الربيع العربي خير على الحركات الاسلامية ام وبال عليها
الذهاب من المعار ضة الى الحكم
الذهاب من المعار ضة الى الحكم ليس بالامر السهل على دول لم تعتاد وليس لديها اعراف ديمقراطية
مقال رائع ونحتاج المزيد
مقال رائع ونحتاج المزيد منها
يجب على الحركات الاسلامية
يجب على الحركات الاسلامية ان تمتهن السياسة فهناك فرق بين السياسية والدعوة
الاسلام هو الحل
الاسلام هو الحل
نشكر المنتدى العالمي للوسطية
نشكر المنتدى العالمي للوسطية لعقد هكذا ندوات
أضف تعليقاً