
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ وبعد:
إن القراءة الأولية لرسالة عمان السمحة بمضامينها المتعددة يدرك مدى تناولها لموضوع مهم برز على الساحة العربي والدولية حديثاً ، وإن كانت أسسه وقواعده قديمة ، وهو موضوع التطرف والغلو، وموقف الإسلام منهما، وضرورة الدعوة إلى محاربة هذا النهج المنحرف والفكر المتطرف الضال فكر الغلو والتطرف، والدعوة إلى الحوار الهادف المتسامح، ومواجهة الفكر الضال المتطرف .
فقد أشارت رسالة عمان إلى أن الإسلام وقف موقف الرافض لكل أشكال التطرف والغلو التي تعتبر أحد الأمثلة التي توضح لنا دور هذه البيئة الخصبة في التبرير لتشويه صورة هذا الدين السمح القائم على الوسطية والاعتدال. وقد كان لرسالة عمان دور بارز في بيان معنى التطرف والغلو وأسبابهما، والحلول الناجعة للقضاء عليهما. وقد دعت رسالة عمان إلى منهج الوسطية والاعتدال، وبيان طبيعة التطرف والغلو بأنها ليست من طباع المسلم الحقيقي المتسامح ، والتي تحجب العقل السليم عن سوء التقدير والاندفاع الأعمى خارج الضوابط الدينية، والفكرية، والخلقية.
كما أن بيئة التطرف تسببت عبر التاريخ في تدمير بنى شامخة، ومدن كبرى، وأكدت رسالة عمان على أن الإسلام دين الحق والاعتدال والسماحة والوسطية، وهو دين ينبذ العنف والتطرف، بشتى أشكاله وأنواعه.كما ينبذ كل الممارسات الخاطئة التي من شأنها إبعاد الناس وتنفيرهم من الدين . وأكدت أيضاً على أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال وهو بريء من التطرف والغلو، والتفريط، والتقصير، وقد دعت رسالة عمان إلى محاربة التطرف والغلو والتشدد، وجاء فيها :" وهذا الدين ما كان يوماً إلاّ حرباً على نزعات الغلوّ والتطّرف والتشدّد، ذلك أنها حجبت العقل عن تقدير سوء العواقب والاندفاع الأعمى خارج الضوابط البشريّة ديناً وفكراً وخلقاً، وهي ليست من طباع المسلم الحقيقي المتسامح المنشرح الصدر، والتطرف بكل أشكاله غريب عن الإسلام الذي يقوم على الاعتدال والتسامح ، ولا يمكن لإنسان أنار الله قلبه أن يكون مغالياً متطرفاً " ([1]) .
وفي ضوء هذا الإطار التشريعي لموقف الكتاب والسنة من التطرف ، تعيد رسالة عمان تعريف العنفوالتطرف في ضوء تداعى الأحداث، والممارسات المعاصرة التي ترتكب باسم الإسلام، والتي تنبع خطورتها من تشويه صورة الإسلام، وإيجاد المبررات التي تجعل من الإسلام ديناً مستهدفاً، ولعل محاولات بعض وسائل الإعلام الغربية من تشويه صورة
الإسلام كما حدث في موضوع نشر الرسوم الكاريكاتورية من قبل صحيفة دنماركيه عام 2007م إلا واحداً من الأمثلة التي توضح دور بيئة التطرف والعنف في التبرير لتشويه صورة هذا الدين.
إن رسالة عمان توفر وثيقة هامة لإعادة تأسيس حياة المسلمين المعاصرة على حقائق التعايش مع الآخرين، والابتعاد عن كل التعبيرات والسلوكيات المتطرفة ، وحماية دينهم في نفس الوقت.
وقد أكدت رسالة عمان أن المسلم الحقيقي الذي يريد البعد عن التطرف يجب أن يطلع على الثقافات المعاصرة؛ ليكون تعامله مع مجتمعه على وعي وبصيرة دون تقليد غير مبني على علم، وفهم لمجريات الواقع، كما نبهت العالم أجمع على أن الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي ضرورة لرد الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام بطريقة علمية سليمة دون ضعف، أو انفعال، وبأسلوب يجذب القارئ، والمستمع، والمشاهد.
كما نبهت إلى ضرورة ترسيخ البناء التربوي للفرد المسلم القائم على الثوابت المؤسّسة للثقة في الذات، والعاملة على تشكيل الشخصيّة المتكاملة المحصنة ضدّ المفاسد ، والاهتمام بالبحث العلمي، والتعامل مع العلوم المعاصرة على أساس نظرة الإسلام المتميزة للكون، والحياة ، والإنسان .
كما دعت إلى تبنّي المنهج الإسلامي في تحقيق التنمية الشّاملة الذي يقوم على العناية المتوازنة بالجوانب الروحيّة، والاقتصاديّة ، والاجتماعيّة، والاهتمام بحقوق الإنسان، وحريّاته الأساسيّة، وتأكيد حقّه في الحياة والكرامة، والأمن، وضمان حاجاته الأساسيّة، وإدارة شؤون المجتمعات وفق مبادئ العدل، والشورى، والاستفادة مما قدّمه المجتمع الإنساني من صيغ وآليات لتطبيق الديمقراطيّة " ([2]) .
وأكدت رسالة عمان على " أن وسائل مقاومة الظلم وإقرار العدل يجب أن تكون بوسائل مشروعة، ودعت الأمة إلى الأخذ بأسباب القوة والمنعة التي أمرنا الله تعالى بها ؛ لبناء الذات، والمحافظة على الحقوق ، وضمان الحاجات الأساسيّة للأفراد ، وإدارة شؤون المجتمعات وفق مبادئ العدل، والشورى، ومشاركة المجتمع الإنساني المعاصر، والإسهام في رقيه وتقدمه، وتحقيق التنمية الإنسانية الشاملة، ودعت المجتمع الدولي، إلى العمل بكل جدّية على تطبيق القانون الدولي واحترام المواثيق والقرارات الدوليّة الصادرة عن الأمم المتحدة، وإلزام كافة الأطراف القبول بها، ووضعها موضع التنفيذ، دون ازدواجية في المعايير؛ لضمان عودة الحقّ إلى أصحابه، وإنهاء الظلم؛ لأنّ ذلك من شأنه أن يكون له دور وافر في القضاء على أسباب العنف، والغلوّ، والتطرف "([3]).
وتعيد رسالة عمان وفق هذا المقصد تأسيس المنهج الهاشمي المعاصر في الوسطية، باعتبارها أحد المبادئ السياسية، والاجتماعية التي يمارسها الهاشميون في حماية الإسلام، وإعادة تعريف الناس به، وهذه الحكمة تنبع قيمتها من حجم التطرف الذي يحتل مساحات واسعة داخل بعض التيارات الإسلامية ولدى الأديان الأخرى.
والدين الإسلامي كما جاء في رسالة عمان يقوم على التوازن، والاعتدال، والسهولة، والسماحة، ورفع الحرج والمشقة عن الناس، وهذا من شأنه أن يسهم في القضاء على التطرف والتزمت في الدين، أو
([1])-رسالة عمان السمحة، المملكة الأردنية الهاشمية، في 26 رمضان 1425هجري ، 9 تشرين الثاني من عام 2004م, ص2-5 .
([2])-رسالة عمان السمحة ,ص4, 5, 6.
([3])-المرجع نفسه.
ابحث
التعليقات
اللهم احمي شبابنا من داء
اللهم احمي شبابنا من داء الغلو والتطرف
أضف تعليقاً