
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، فصيرنا خير أمة أخرجت للناس، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، وأصلِ وأسلم على أمام المتقين، وقائد جيوش الموحدين الى جنات النعيم وعلى آله وصحبه، ومن والاه الى يوم الدين ... أما بعد ..
لم تكتف الرسالة الاسلامية بالعقيدة الصحيحة وحدها، ولا بالنظام الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع فحسب، وإنما جاءت مع هذا كله بالشريعة المحكمة العادلة، التي تحكم الإنسان وسلوكياته في كل حال: مع نفسه وفي علاقته بأسرته وفي علاقاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقة دولته بالدول الأخرى، فكل هذه المنظومة من العلاقات العديدة والمختلفة والمتشابكة نظمها الإسلام، ووضع لها الأصول والمبادئ العامة التي تقوم عليها، وبين ـــ وان كان بإجمال أحياناًـــــ التشريعات التي تحكمها من أجل ان يحقق الإنسان سعادته في الدارين الدنيا والآخرة، وينال بذلك رضى الله U.
ولقد حرص الإسلام على بناء العلاقة السليمة بين جميع المسلمين أفراداً وكيانات ودولاً، وأراد منهم أن يكونوا إخوة متحابين ومتعاونين، وجعل الحالة الإيمانية حالة أخوّة حقيقية وحصرها فيها فقال تعالى ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))[1]، فكانت الروح التي تسري في جسد الأمة. لذلك منع كل ما يؤدي الى مساسها أو الأضرار بها أو تعكير صفوها،. فجاءت التشريعات واضحة بينة تقوي تلك العلاقة، وتحرِّم كل ما يفسدها ويدنسها.
ومن هنا جاءت أطروحتي هذه "العلاقات بين البلاد الإسلامية في غياب الدولة الجامعة"، لتعرض علاقة المسلمين مع بعضهم البعض ليس على أساس انهم أفراد يعيشون في ظل دولة الإسلام الجامعة بل على اساس علاقة دولة بدولة أو مجموعة دول قائمة في ديار المسلمين بدراسة تأصيلية مقارنة من حيث الأصول والضوابط والمبادئ العامة التي تقوم عليها في حالتي السلم والحرب، لا سيما أن حالة تعدد الدول في البلاد الإسلامية ليست وليدة اليوم، وانما ظهرت في وقت مبكر من عمر هذه الأمة، منذ أن انفصلت الأندلس عن الخلافة العباسية علي يد الأمير الأموي عبد الرحمن الداخل في عهد ابي جعفر المنصور عام 139ه.
وعلى الرغم من اتساع حركة الانفصال بعد ذلك حتى وصل الأمر الى وجود ثلاثة خلفاء في ديار المسلمين، خليفة في بغداد باسم الخلافة العباسية، وخليفة في القاهرة باسم الخلافة الفاطمية، وخليفة في الأندلس باسم الخلافة الأموية إلا أن علماء الشريعة الإسلامية لم يتناولوا هذه العلاقة بالشكل الذي تناسب مع حجم هذه المشكلة التي طرأت على حياة الأمة الإسلامية، بل أكتفوا ببعض الإشارات هنا وهناك في مؤلفاتهم مع عِظم هذه الأمر وخطورته، فكان الواجب على فقهاء الأمة أن يتناولونه بحثاً وتنظيراً وتأصيلاً بشكل يتناسب مع حجمه وخطورته، وأن يفردوا له باباً خاصاً من ابواب الفقه الإسلامي، حتى يصبح علماً خاصاً لا يقل شأناً عن علم السير، ليعالجوا به كل المستجدات التي تطرأ على هذه العلاقة، حتى لا تترك الأمور بهذا الشكل الفوضوي كالذي وثقته لنا كتب التأريخ، أو ما نشاهد اليوم في واقعنا المعاصر من حالة الفوضى والاضطراب الذي تعصف بالعلاقة بين دول البلاد الإسلامية.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الموضوع لأنه من المواضيع الحية المتجددة والتي تتعلق بالشأن العام للأمة الإسلامية، ويسلط الضوء على أحد ابواب الفقه المنسية، ولعلها تكون بداية لسلسلة من الدراسات والأبحاث في هذه المجال، ومحاولة لتقديم صورة واضحة للعلاقة بين دول البلاد الإسلامية وفق أساس شرعي تأصيلي، لإعادة رسم هذه العلاقة وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، وليس على اساس الأهواء والمصالح الضيقة أو القوانين الدخيلة علينا. وكذلك تبرز أهمية هذه الأطروحة من خلال علاقتها المباشرة بجميع علوم الشريعة الإسلامية من كتب العقيدة، والتفسير، وشروح الحديث، والتأريخ، وعلم الأخلاق والزهد، والتربية فضلاً عن علم الفقه الإسلامي بكافة مذاهبه، وعلم السياسية الشرعية والقضاء، ناهيك عن العلوم العامة من القانون والعلوم السياسة والعسكرية والاقتصاد والإعلام والثقافة والجغرافية والتنمية المجتمعية.
ويرجع سبب اختياري لهذا الموضوع بعد توفيق الله U بأن هذا الموضوع لم ينل ما يستحق من الدراسة المؤصلة، والعناية الخاصة، حتى في الدراسات الجامعية؛ ومن تناوله، تناوله بشكل موجز، أو عرضاً ضمن بحوث عامة، ثم جاءت رغبتي في الاستمرار بنفس المسار الذي بدأت فيها في دراستي في الماجستير ألا وهو التخصص في مجال السياسة الشرعية، لأنه علم مهم، والحاجة فيه الى الدراسات المؤصلة تأصيلاً شرعياً ــــ ولاسيما في هذا العصر ـــــ أصبحت ملحة جداً.
ومع كثرة المطالعة والبحث حتى على الشبكة العنكبوتية لم اقف على دراسة شرعية تأصيلية أفردت لهذا الموضوع في بحث مستقل يجمع شتات مسائله، وبين مآخذها، ويعالج مستجداتها بمنهجية تأصيلة شرعية إلا أني وجدت دراسة سياسية تحليلية يتيمة، وهي عبارة عن محاضرات كان يلقيها د.محمد السيد سليم لطلبة الدراسات العليا في العلوم السياسية في جامعة الملك سعود ثم نشرها في كتاب تحت عنوان " العلاقات بين الدول الإسلامية"، ولم استطع الحصول على نسخة منه ألا انني وجدت دراستين تحليليتين عن هذه الكتاب نُشرتا على بعض المواقع الإلكترونية، مع بعض المقالات التي استلها الكاتب من كتابه، ونشرها على بعض المواقع الإلكترونية، وقد استفدت منها في وضع بعض الملامح العامة لهذه الأطروحة.
وقد اعتمدت في هذه الأطروحة منهجا علميا رصينا يمزج بين الأصالة والمعاصرة، بين ما كتبه فقهاء الأمة المتقدمين وما كتبه فقهاء الامة المعاصرين، وبأسلوب سهل في الفهم، سلسل في العبارة، بعيداً عن التعقيدات وغرائب اللغة. فعملت على جمع المادة المعنية بهذا الأطروحة فيما أمكن الاطلاع عليه من كتب الفقه والتفاسير والحديث وشروحها، والمغازي والسير، والسياسة الشرعية، وفتاوى علماء الأمة المعتبرين. لم اقتصر في هذه الاطروحة على كتب الشريعة الإسلامية وما يدور في فلكها بل استعنت بكثير من كتب العلوم الأخرى كالقانون والعلوم السياسية والعسكرية والجغرافية والتنمية والاقتصاد والإعلام وغيرها بما يثري الأطروحة ويعزز رصيدها العلمي. وحرصت على ترتيب المسائل وتنسيقها وتبويبها ووضع العناوين لها بما يناسب خطة البحث. والتركيز على المسائل ذات الصلة بالموضوع دون الغوص في تفصيلاتها، لان ذلك يخرجنا عن صلب الموضوع. وتفصيل المسائل والآراء، وذكر اختلاف الفقهاء فيها ومناقشتها ومبيناً الراجح منها ما أمكنني مع مراعاة الأمانة العلمية والموضوعية في الطرح. وذكرت ــــ على قدر الاستطاعة ــــ جميع آراء الفرق والمذاهب الإسلامية في كل المسائل المختلف فيها دون التعمد الى اهمال أي رأي من الآراء مهما كان مصدره أو غرابته لتكون الأطروحة شاملة لكل الآراء الواردة في الساحة الإسلامية. ثم توثيق المسائل والآراء والأدلة من مصادرها المعتمدة ان أمكن ذلك. وان اعزو الآيات الى مواضعها في كتاب الله المجيد، ملتزماً بالرسم القرآني في تمييزها من غيرها. وتخريج الأحاديث والآثار وأعزوها الى مصادرها، وبيان درجة صحتها من خلال ما حكم عليها علماء الحديث من الاقدمين والمعاصرين، والاكتفاء بتخريج الحديث من الصحيحين أو في أحدهما، متى ما وجد فيهما أو في أحدهما، وكذلك التعريف ببعض المصطلحات والألفاظ المبهمة أو المجملة بالرجوع الى كتب اللغة المعتبرة فيها، وترجمة بعض الأعلام التي يرد ذكرها في طيات الأطروحة مما لها مناسبة للتعريف بها.
وقد سرت في هذه الأطروحة بخطة مكونة من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، فبينت في المقدمة أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج الدراسة فيه، وخطته. وجعلت الفصل الاول مفاهيم وتعاريف عامة من حيث تعرف العلاقات الدولية لغة واصطلاحاً، ومنهج فقهاء الشريعة الإسلامية في استخدام هذه المصطلح، والفرق بينه وبين علم السير، وصله علم العلاقات الدولية بموضوع بحثنا هذا. ثم عرضت لمفهوم الامة والعالم الإسلامي والبلاد الإسلامية وأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والجغرافية، والخارطة السياسية لها، ثم عرضت لمفهوم الدولة الجامعة في منظور الفقه الإسلامية من حيث أركانها وملامحها ومفهوم غيابها.
واما الفصل الثاني فوضعت فيه المعايير الفقهية والقانونية في عد الدول إسلامية، وبيان ظاهرة التعدد الدول في الإسلام وحكمها والتكييف الشرعي لها، والوحدة الإسلامية وأهميتها وعوائقها وسبل تحقيقها ونظرياتها.
وذكرت في الفصل الثالث المبادئ العامة لهذه العلاقة وهي تشمل (العدل، الصدق، الأمانة، حسن الظن، النصح، الوفاء بالعهود والعقود)، وأما أسسها فهي تشمل (العقيدة الاسلامية، الاخوة الاسلامية)، واما ركائزها فهي تشمل (الولاء والبراء ،النصرة ،التعاون ، التشاور، عصمة الدماء والأموال والأعراض)، وأما ضوابطها فهي تشمل (تكافؤ المسلمين، التثبت في الامور، لا ضرر ولا ضرار، المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة)، وأما أهدافها فهي تشمل اهداف عامة تتعلق بجميع دول البلاد الإسلامية واهداف خاصة بين دول البلاد الإسلامية.
وأما الفصل الرابع فهو يتضمن عرضاً للعلاقات السلمية بين دول البلاد الإسلامية والتي تشمل العلاقات السياسية والاقتصادية والاعلامية والثقافية والأطر التنظيمية للعلاقات بين البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر. وحكم الأحلاف والمعاهدات بين دول البلاد الإسلامية وطرق حل الخلافات بالطرق السلمية وتشمل (إصلاح ذات البين، الحوار، الصلح، التحكيم، القضاء، وسائل الإكراه)، وحكم التدخل في شؤون دول البلاد الإسلامية وأنواعه والذي يشمل (التدخل السياسي، التدخل الامني، التدخل الاقتصادي، التدخل الاجتماعي).
واما الفصل الخامس فهو يتضمن حكام الإقتتال بين دول البلاد الإسلامية، وانواعه وأولوية العفو بين المسلمين، وموقف المسلمين منه، ثم قواعد القتال في حال وقوعه.
ومن خلال معايشة النصوص الشرعية وأقوال الفقهاء الشريعة وغيرهم في مجال العلاقة بين البلاد الإسلامية، فقد خرجت بجملة من النتائج والتوصيات من اهمها ما يأتي:
وعلى ما تقدم أدعو الى أنشاء مراكز بحثية مُتخصصة قائمة على أسس علمية رصينة تأخذ على عاتقها دراسات كل جزئيات العلاقات بين المسلمين بشكل تفصيلي، لتضع الخطط وتقدم الحلول تزيل العقبات أمام صانع القرار في البلاد الإسلامية، وتسعى أكاديمياً الى جعل هذه الباب أحد ابواب الفقه الإسلامي باسم "العلاقات البينة" لاسيما أنه لا يقل شأناً عن علم السير، وحاجة المسلمين إليه، فضلاً عن السعي الى إضافته ضمن حقول علم العلاقات الدولية المعاصر.
هذا والله أسال أن يجعلنا من الصادقين المخلصين في كل أحوالنا وأفعالنا وأقوالنا، وأن يفتح علينا أبواب فضله وعلمه، وأن يمن علينا بجوده وكرمه، وأن يهيء لنا من أمرنا رشدا، وان يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأن يُجيرنا من خزي الدنيا والآخرة، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو زلل أو نقص فمن نفسي والشيطان... وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ابحث
التعليقات
موضوع شيق، ووقت الرسالة ضيق،
موضوع شيق، ووقت الرسالة ضيق، وتعميقها مطلوب، بعد أخذ ملاحظات القراء، فتح الله عليكم، ونفع بكم!
اللهم أخرج من بلاد المسلمين
اللهم أخرج من بلاد المسلمين كل من يحاول إفسادها ونشر الفتنة فيها واجعلها دائما آمنة مطمئنة يا كريم
اكثر من رائع الله ينفع بك
اكثر من رائع الله ينفع بك
اكثر من رائع الله ينفع بك
اكثر من رائع الله ينفع بك
اكثر من رائع الله ينفع بك
اكثر من رائع الله ينفع بك
موضوع مهم وشيق نفع الله بك
موضوع مهم وشيق نفع الله بك العباد
موضوع مهم وشيق نفع الله بك
موضوع مهم وشيق نفع الله بك العباد
عندما يتخرج أمثال هذا الشاب
عندما يتخرج أمثال هذا الشاب من المرحلة الثانوية بالتخصص العلمي وتؤهله درجته الى دخول كليات الهندسة والطب ثم يتركها فيؤثر عليها دراسة الشريعة تكون النتيجة هذا النتاج ، وهذا ما قام به الدكتور صلاح ، وفقه الله تعالى للخير ونفع به الأمة. وجعل ما قام به في ميزان حسناته.
أضف تعليقاً