
"التنمية الاقتصادية والتمويل الأسلامي"
مراجعة د. جمال الحمصي
لقد ولى الزمن الذي كانت فيه المطابع الغربية تركز حصراً على الانعكاسات السلبية للممارسات الدينية في العالم الاسلامي على مستوى تطور الدول العربية والاسلامية وازدهارها الاقتصادي[i]، ومن مؤشرات هذا التحول كتابنا هذا قيد المراجعة حول "التنمية الاقتصادية والتمويل الاسلامي Economic Development and Islamic Finance" والذي يشخّص خصائص الاقتصاد المالي الاسلامي وتداعياته الايجابية المتوقعة على زخم التنمية الاقتصادية العالمية حسب المفهوم المعاصر والواسع لهذه التنمية. الكتاب صدر في عام 2013 عن البنك الدولي باللغة الانجليزية (غير مترجم حتى الآن) وبمشاركة 13 خبيراً في محاور الكتاب المختلفة، والكتاب القيّم قام بتحريره كل من زامير اقبال وعباس ميراخور[ii].
ولاشك بأن الأزمة المالية العالمية الحديثة التي اندلعت في عام 2008 في النظام الرأسمالي وخلقت حاجة ملحة لتحوّل جوهري في النماذج الفكرية السائدةParadigm Shift قد مهدت الطريق لتقصي خيارات اقتصادية عالمية بديلة، وساهمت في نمو الاهتمام بمبادئ الاقتصاد الاسلامي عموماً وصناعة التمويل بالمشاركة على وجه الخصوص.
في تقديم الكتاب، تمت الاشارة الى الترابطات القوية بين التفكير الحديث لعلم الاقتصاد من ناحية وبين النهج الاسلامي للتنمية كما تعكسه الطبيعة التشاركية للأدوات المالية الاسلامية من ناحية اخرى: فكلاهما يسعى الى تحقيق النمو العادل والمتوازن، او ما أفضل تسميته ب"النمو التشاركي Inclusive Growth" اختصاراً. ولا تقتصر الأدوات المالية الاسلامية على عقود المشاركة في الأرباح والخسائر، بل تتجاوز ذلك الى الزكاة والوقف والقرض الحسن والصكوك الاسلامية وغيرها من الآليات الداعمة للعدالة التوزيعية والنمو التشاركي في الاقتصاد الاسلامي.
يتكون الكتاب من 12 فصلاً موزعة على 350 صفحة. كما قسم الكتاب الى ثلاثة أجزاء رئيسية، يبحث الجزء الأول في الاسس والاطار النظري، والجزء الثاني في الجوانب العملية التنموية، والجزء الثالث في صياغة السياسات.
ويرى الفصل التلخيصي الهام في مقدمة الكتاب ان مؤسسات الاقتصاد الاسلامي تعتمد على كل من القواعد (الجماعية بنوعيها الأخلاقية والتشريعية) والأسواق (الاختيارات الفردية والتعاقدات الطوعية)، وأن التاريخ يوفر برهاناً على ازدهار المجتمعات الاسلامية التي تحولت بعضها الى قوى اقتصادية دولية، لكن هذا الميراث الغني –حسب الكتاب-لم يستمر لعوامل عديدة معقدة، أبرزها: تراجع التفكير العلمي، والتأخر الأخلاقي والمؤسسي الذي أدى الى تآكل الثقة الاجتماعية، والجمود السياسي، الى جانب الغزو الخارجي المدمر والصراعات والحروب. كما يتضمن الفصل تقديرات رقمية بخصوص حجم الاصول المالية الاسلامية حول العالم في الوقت الراهن ومعدلات النمو المتفوقة التي تسجلها سنويا، وكذلك يعرض الفصل معالم الرؤية الاسلامية للتنمية الاقتصادية.
وبشأن فصول الكتاب، فهي متنوعة وتغطي جوانب مختلفة من محاور التمويل الاسلامي والتنمية الاقتصادية، بما في ذلك الأسس المعرفية للتمويل الأسلامي مقابل التمويل التقليدي، ومبادئ السوق في الاسلام وعدم التأكد والعدالة الاقتصادية، والمنظور التاريخي للترابط بين التمويل والتنمية في الاسلام، والمنظور الاسلامي للشراكة التمويلية Financial Inclusion في الاسلام، وشبكات الأمان الاجتماعي والتأمين الاجتماعي في التمويل الاسلامي، وأسواق رأس المال الاسلامية والتنمية الاقتصادية، وأسواق الأسهم الاسلامية من منظور عالمي، وأداء التنمية الاقتصادية في الدول الاسلامية OIC Countries، وأخيراً تحديات السياسة في مجال الاسلام والتنمية.
ومن مزايا الكتاب أنه يتطرق بدرجة من العمق الى التحديات الكامنة الى جانب الفرص الواعدة. فهو ينوه الى تحديات ستواجه نظم التمويل الاسلامي في المستقبل عند تطبيقها الأوسع والأعمق ويقدم كذلك بعض الحلول، وأبرز هذه التحديات:
وبخصوص مشكلة المخاطر الأخلاقية والتي تتشارك فيها مختلف الأنظمة المالية بدرجات متفاوتة، ويراها البعض سبباً رئيسياً للأزمة المالية العالمية المعاصرة[iii]، وأراها شخصياً عاملاً رئيسياً في هيمنة النظم التمويلية الاسلامية القائمة وقصيرة الأجل، فان التصدي لهذه المشكلة يتطلب مدخلاً شمولياً يجمع بين تنويع الأدوات المالية الاسلامية (كأسواق الأسهم الاسلامية وتمويل رأس المال المبادرVenture Capital )، وتعزيز أخلاقيات السوق خصوصاً في مجال الايفاء بالعقود وما شابه، الى جانب الاستعانة بقوة التنظيم والتشريع المصرفي وكذلك بسهم "الغارمين" في نظام الزكاة كآلية للتوزيع الكفؤ للمخاطر الاستثمارية بين أفراد المجتمع ككل وليس فقط بين طرفي العقد، خصوصاً حال تعرض الاقتصاد الاسلامي أو أحد قطاعاته لصدمات خارجية ليس للمستثمر سيطرة عليها.
وعادة ما يتم هذا التشخيص وفقاً لمنطلقات علمانية ولنماذج فكرية غير متوازنة، ودون أي اشارة الى القيم الاسلامية الأصلية. [i]
لمن أراد الاطلاع الكامل عليه. PDF الكتاب متوفر على شبكة الانترنت بصيغة [ii]
[iii] انظر، على سبيل المثال، المخاطر الأخلاقية والأزمة العالمية المعاصرة: وجهة نظر اسلامية، أحمد العوران، مجلة "اسلامية المعرفة"، عدد 62، خريف 2010،. المعهد العالمي للفكر الاسلامي.
ابحث
التعليقات
لاستقلال الاقتصادي لا يقل
لاستقلال الاقتصادي لا يقل اهمية عن الاستقلال السياسي
الاقتصاد الاسلامي سوف يكون
الاقتصاد الاسلامي سوف يكون هو القدوة لجميع النظريات الاقتصادية في العالم
أضف تعليقاً