
بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات إدارية في سورة يوسف
الجزء الأول
د. سليمان حسن الرطروط / الأردن
والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً؛ أما بعد:ـ
يتبادر للبعض عند قراءتهم لسورة يوسف عليه السلام أنها فقط عرضت لقصة يوسف مع إخوته،من باب التسلية والمواساة للرسول عليه السلام وتثبيت قلبه، ولموافقة الكتب السابقة؛ وإن نظرت في كتب التفسير وجدت الكثير منها يلجأ إلى التوراة وكتب بني إسرائيل الأخرى لزيادة معلوماتهم وشرحهم للآيات .
ولو استمعت لعامة الناس وسألتهم عن سورة يوسف، لوجدت أغلب تركيز العامة على تناول افتتان امرأة العزيز بيوسف، وحفظهم لبعض أجزاء من الآيات دون غيرها،حتى أصبحت تلك المقاطع أمثال سائرة كقوله: ( وهمت به وهم بها) ( وشهد شاهد من أهلها).
وقد تجد البعض مفتوناً بتعبير الرؤيا والأحلام، فيتخذ السورة شاهدا على صحة ما يقوله المعبرون، ويظنون ذلك الأمر من أعظم أهداف السورة، وأسباب نزولها ؛ فتعبير رؤيا يوسف ، ثم رؤيا ساقي وخباز الملك ، ثم تعبير رؤيا الملك ، كلها دليل على صحة ما ذهبوا إليه.
وعلى كل فما ذهبوا إليه صحيح ، فالسورة من القرآن لها أهداف عدة، فهي خير لكل من أراد أن يستنبط منها أمراً أشارت إليه، فمثلها كالزيتونة ظلها خير وزيتها خير ،وله منافع عدة ، وخشبها كله خير وله فوائد كثيرة ...الخ.
وعند قراءتي لسورة يوسف ، وتدريسها على بعض طلابي في مادة للتفسير التحليلي، ومحاولتي تحليل آياتها،واستنباط كيفية وقوع تلك الأحداث، وعند النظر والبحث والتحليل للنص القرآني من زوايا عدة،سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية ...الخ ، وجدت أنها تحمل في ثناياها الكثير من المبادئ العامة في السياسة والإدارة ، وكيفية إدارة المجتمعات البشرية. فحاولت جهدي استجلاء بعضها ، وكلما انتهيت من استنباط مبدأ أو قاعدة ، استحضرت لقلبي فائدة أخرى ؛حيث تواردت عليّ الفوائد، وقد عزمت على كتابة تفسير تحليلي للسورة المباركة، ولكنّ ضعفت الهمة، وشغل الفؤاد، وتزاحمت الأعمال، وسوفت الأمر ، حتى مر زمن طويل على ذلك،فكلما بادرت تكاسلت وأصابني العجز.
ثم بعد فترة من الزمن تاقت نفسي للكتابة حول السورة ، فوجدت أن السورة قد تم تفسيرها في كل كتب التفسير،وبعضهم أفردها بالتفسير، وبعضهم قارن مابين قصة يوسف في القرآن وقصته في كتب الديانات الأخرى .
وحتى لا يكون ما أعرضه من التفسير مكرراً ،فتقل فائدته، ولا يأتي بجديد، أحببت محاولة إبراز قضايا مستنبطة من السورة لم تناقش بشكل موسع من قبل ـ على حد علمي القصر مع أن البعض قد أشار لبعض تلك اللفتات ـ ، محاولاً طرح أفكار واستنباطات جديدة،تتعلق بالمبادئ والقواعد الإدارية والسياسية التي تلفت السورة النظر إليها، وهي محاولة مني لفهم وعرض بعض أهداف السورة الكريمة.
ففي قناعتي أن من أهداف سورة يوسف الرئيسية تربية الجماعة المؤمنة المستضعفة على القيادة والحكم ، وتعليمها مبادئ السياسة والإدارة وذلك من خلال القصة التي تعرضها لحياة نبي من الأنبياء ولكن بصورة مشوقة، وسرد محكم، وإبراز مواقف مختلفة للحكم وما يعترضه من مشاكل، ابتداء من قيادة المجموعة الصغيرة على مستوى المجتمع وهي الأسرة، إلى قيادة مجتمع كبير يتشكل من مدن وقرى عدة ليؤلف منها دولة ذات سيادة، ولذ فالسورة تتعرض لصور عدة، وأنماط متباينة ، ومواقف مختلفة، سواء كانت إدارية أم سياسية، وتبيّن كيفية تصرف القائد معها، وما النتيجة التي حدثت لمثل ذلك التصرف. وتعرض كذلك لصور من الدهاء والتخطيط ، منه المحرم وغير الشرعي كتخطيط إخوة ويوسف وزوجة العزيز، والمتآمرون على الملك، وتشير لنوع آخر مشروع وهدفه نبيل كتخطيط يوسف في كيفية إحضاره لأخيه واستبقاءه عنده.
كما تعرض السورة لأمور وقضايا ومشاكل ليست من طبيعة حياة العرب، وليست مما تعيشه مجتمعاتهم،مستشرفة بذلك المستقبل الذي ينتظر تلك الثلة المؤمنة، ولذا تبدأ في تعليمها وتدريبها النظري على قضايا الحكم في المجتمعات المدنية وتعرض عليها بعض مشكلات تلك المجتمعات المدنية الكبيرة التي تعتمد على قوانين مدنية وعلاقات مختلفة وتنظيم مجتمعي لا يعتمد على القبيلة والعشيرة.
وهذه القضايا المدنيّة لم تكن معروفة لديهم كعرب ؛ فمثلاً السجن وقوانينه وأحواله وأنظمته ...الخ، تلك بحاجة إلى تخصص، فالعرب كانوا إذا اسروا شخصاً ما ، حبسوه في دار أحدهم ، وهو مسئول عنه من حيث الحراسة النوم والطعام والشراب ...الخ ولم يعرفوا السجون إلا في عهد عمر رضي الله عنه. ولم يكن لديهم تنظيم سياسي متمثل في دولة واحدة يحكمها ملك ولديه رئيس وزراء ووزراء وقادة للأمن والشرط، وأنظمة إدارية واقتصادية وطبقة حاكمة...الخ.
وكأن السورة تهيؤهم للمرحلة المقبلة لإدارة دولة امتدت خلال خمس وعشرين سنة من أقصى فارس شرقاً لما بعد مصر غرباً، ومن حدود بلاد الروم شمالاً لحدود البحر الحمر وخليج عدن جنوباً، إنها بلا أدنى شك مساحة شاسعة من الأرض ،متناهية الحجم ، تحتاج لإدارة عالية الكفاءة والخبرة في وقتنا الحاضر، رغم سهولة المواصلات، ويسر الاتصالات، فما بالك بها قبل 1400 عام !!! وبالإضافة للمساحة الشاسعة والتضاريس المختلفة،هنالك أيضاً تباين في ألوان الطقس والمناخ، وتنوع في اللغات واللهجات،وقد يكون هنالك تضارب وتنافر في العادات والتقاليد، إلا أن تلك الدولة الوليدة قد هصرت وجمعت في رحمها أنظمة وقوانين كل تلك الأقاليم، فمن دولة فارس والروم ودولة القبط،على الرغم من تنوع لغاتهم ومشاربهم وأجناس وثقافتهم وأنظمتهم، إلا أنهم قد أصبحوا من خيرة أفراد الدولة الجديدة ،ولذا فقد وجدنا لهذه الدولة الربانية إدارة وسياسة عالية الكفاءة والمهارة، استطاعت بكل مهارة واقتدار صياغة كل ذلك في أمة ودولة جديدة أستمر وجودها حتى الوقت الحاضر.
ولذا نستطيع أن نفهم هدف نزول السورة قبل الهجرة ، وفي العهد المكي بكامل آياتها _ ولا عبرة للقول إن بعض آياتها مدنية في قول جمهور المفسرين _ ( انظر تفسير الألوسي ج 12 ص 17، في ظلال القرآن ج 4 ص 659 )، لتربية وتهيئة تلك الجماعة المؤمنة للدور المستقبلي الذي يراد لها، فمصر وفلسطين اللتان أشارت لهما السورة ستكونان وحدتين وإقليمين من أقاليم تلك الدولة.
والناظر لتلك الإشارات التي تعتبر قواعد في السياسة وإدارة الحكم، يرى أنها قواعد إدارية عامة تستخدم للجماعة الإنسانية، أياً كان لونها أو دينها أو زمان تواجدها أو مكانه.
ولما كان القصص القرآني له أهداف عدة ؛ ومن بينها تربية وتعليم الجماعة المؤمنة المستضعفة في تلك الفترة لما ستؤول إليه من استلام مقاليد الحكم والسياسة ، وإدارة الناس ، كان تعليمهم تلك الأصول أمراً محتماً.
وسوف ابذل جهدي لاستنباط الإشارات السياسية والإدارية في سورة يوسف ـ عليه السلام ـ ثم شرحها، حيث أشار الله تبارك وتعالى لتلك المبادئ والقواعد والأنظمة السياسية والإدارية، ليس على أنها الكمال ، بل على أن حياة الناس لا تقوم إلا بها، وعلى أن الحاكم والقائد على اختلاف موقعه، واختلاف زمانه لابد أن يأخذها ، ثم يطورها على حسب الزمان والمكان.
ويذكر سيد قطب أن سورة يوسف نزلت بعد سورة هود ويونس ، وأن تلك السور نزلت بين عام الحزن وهو في السنة العاشرة وبين بيعة العقبة الأولى والثانية( انظر في ظلال القرآن / مجلد 4 ص 659 ط السابعة،1391هـ _1971م دار إحياء التراث ،بيروت_ لبنان)
وحتى لا يتشتت ذهن السامع والمتعلم لأصول ومبادئ الحكم والسياسة، وهي بلا شك مبادئ صعبة وقواعد وأنظمة معقدة،جاء عرض تلك المبادئ والأسس من خلال قصة، ولذا جاءت قصة يوسف كاملة في سورة واحدة ، ولم تذكر مقاطع متعددة في سور مختلفة،كما هو الحال في قصص الأنبياء الآخرين، وفي هذا ما يدل على أن الهدف من القصة هو: تعليم الجماعة المؤمنة على أحوال ومبادئ وأسس الحكم والإدارة مجتمعة في سورة واحدة ، وفي قصة واحدة، لنبي واحد. ومع أنها عرضت لشخصيات متعددة، وإلا أن ابرز شخصية كانت ليوسف عليه السلام ليتعلم السامع من المواقف التي مر بها قواعد السياسة والإدارة.
وليس بمستغرب ذلك في القرآن، فلقد جاء معجزاً ومغايراً لكتب الناس ، وأسلوبه فريداً في عرضه للمبادئ وبسطه للحقائق ، لذا كان تناول تلك القواعد والسنن الإدارية والسياسية من خلال عرض قصة مفصلة لنبي من أنبياء الله تدرج في مراحل عدة من صبي مدلل لوالديه، لطفل متآمرا عليه، حيث يباع كالعبيد، لشاب في بيت رئيس وزراء أعظم دولة في الإقليم في تلك الحقبة، حيث يتعرض للتربية والتعليم اللائق بأبناء تلك الطبقة، ثم تعرضه لمفاسد ومغريات تلك الثلة، ثم تعرض للعنف والشدة وأنواع من التآمر لتلك الفئة ـ فلكل فئة وطبقة من الناس أساليبهاـ ثم عرضت القصة لدسائس الحكم وانقلاب بعض المقربين للملك عليه، ثم عرضت همة الملوك وسعيهم لمصلحة الرعية،...الخ
وتعرض السورة كذلك لنموذج المجتمع البدوي( البدائي) حياة يوسف وإخوته، ثم تعرض لحياة المدينة وقوانينها وأنظمتها، ولكنهما تتفقان على مبادئ متطابقة في خطوطها العريضة، فالسرقة محرمة ، والزنا جريمة، والنفس البشرية معصومة الدم؛ ولذا فالقتل بغير حق غير مسموح به، والعلم والأمانة أساس قوة الدولة وارتفاع شأنها.
ومن المبادئ الأساسية لاستمرار حياة الناس وقيام دنياهم، وجود قانون يحفظ حياتهم وأعراضهم وممتلكاتهم ، ثم اتفاقهم على نظام يحكم جماعتهم، يرتضونه ويوافقون عليه ،أساسه العدل ، والناس أمام القانون سواسية ؛ لأن ذلك أساس حكمها ، وعلة دوام المجتمعات البشرية ، ولبنة استمرار حكمها، والسبيل لرضا شعبها.
ومن لفتات السورة أنها كررت مرتين قاعدة هامة في بداية السورة ونهايتها، وفي موقفين مختلفين ،ومن شخصيتين بارزتين في القصة يوسف وهو الأكثر بروزاً ويعقوب ، فقد قال يوسف قبل بيانه لتعبير رؤيا الغلامين ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) والمراد بالحكم هنا الناحية الدنيوية والطاعة الإدارية ، ويأتي كذلك على لسان يعقوب( وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله) بمعنى أن الحكم في الآخرة لله وحده دون غيره. وهنا تتكامل الصورة للحكم فيجب أن يكون في الدنيا لله وحسب شرعه ومنهاجه كما سيكون في الآخرة له وحده دون غيره. ( انظر سيد قطب / في ظلال القرآن ج 4 ص 690)
وسوف أحاول مستعيناً بالله سبحانه أن أبيّن تلك الإشارات بالتفصيل قدر استطاعتي ، حيث أثبت الآية، ثم أعرض ما أشارت إليه من قواعد ومبادئ في الإدارة والسياسة.
1. قوله تعالى: ( يا أبت أني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر لي ساجدين ) والسجود هنا تأويله بالطاعة والسمع، وهي الأساس الأول والقاعدة الرئيسية في نشأة الدول والمؤسسات سواء كانت صغيرة أو كبيرة، والعماد لاستمرار وديمومة وسؤدد الدول والمجتمعات والجماعات، على اختلاف مكانها وزمانها. ولذا بدأت السورة بالإشارة إليه؛ فلا جماعة ولا رفعة دون السمع والطاعة للقائد، أياً كان موقعه أو مسماه، ثم تنفيذ أمره على الشكل الذي طلبه، وفي الوقت الذي حدده.
ولا يمكن لدولة ما مهما صغر حجمها من الانتظام والاستمرار إلا بوجود قيادة لتلك الدولة ، تقوم على إدارة ورعاية شؤونها ، ومثل ذلك أيضاً الجماعة سواء كانت صغيرة كالأسرة والتي هي اللبنة الأولى والمهمة في بناء المجتمع، أم على المستوى الأكبر كوجود عدد من الأسر قد تشكل حياً أو قرية أو مدينة، أو مجموعة من الأفراد تتكون منهم مؤسسة خاصة أو عامة؛ كالشركات والمؤسسات التجارية ، أو كالدوائر الحكومية ...الخ.
فيجب على جميع الأفراد في الدولة ( أي الشعب) كل على حدة ، أن يكون مطيعاً لتلك القيادة، يعمل على تنفيذ أمرها ،واحترامه، ومبادلة قيادته الحب والتقدير والسمع والطاعة ، حتى تتحقق غاية الدولة من وجودها، وتستطيع درء الأخطار عنها.
فإذا انهار مبدأ السمع والطاعة في جماعة ما صغيرة كانت أم كبيرة؛ بأن تأمر القيادة فلا يسمع لقولها، ولا ينفذ أمرها؛أو يشكك في صحة قرارها،أو لا ينفذ في الوقت المحدد،أو ينقص منه شيء، عندئذ تنهار الجماعة مهما كانت قوة أفرادها كل على حدة.
ومن أبجديات الحروب تدمير مراكز القيادة والسيطرة للعدو ، حتى لا يحدث تواصل مابين القيادة والأفراد، فإن حدث ذلك قسرا، تنهار تلك المجموعة،ويكتب عليها الفشل والهزيمة.
فكيف إذا كان فقدان الثقة وعدم السمع للقيادة من الأفراد طواعية مع علمهم بالأمر ووضوحه لهم ، عندئذ تكون الطامة الكبرى حيث تنهار تلك الجماعة وتهزم ، ويدب الخلاف بين أفرادها ، وكل شخص يصبح صاحب رأي ، فيبدأ الخلاف وتنشأ الفرقة،ولذا يكون الفشل مصيرهم، وشتات الأمر مآلهم، والله يقول:( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
ولذا كان من شروط بيعة الرسول عليه السلام للصحابة أن عليهم السمع والطاعة في المنشط والمكره، أي عليهم طاعة قيادتهم في الأمور التي يحبونها أو المحببة للنفس أو الموافقة للاجتهاد ، كما أن عليهم طاعتها في الأمور المكروه للنفس أو التي لا توافق اجتهادهم . كما حدث في صلح الحديبية .
وإذا كان مبدأ السمع والطاعة من المبادئ الأساسية للشعب أو الجماعة، بل هو المبدأ الأساسي الأهم والأبرز، فإن هناك مبدأ آخر من المبادئ الهامة للفرد أو الجماعة عرضت له الآية وهو استشارة الثقة العالم ، فانظر إلى يوسف حيث يعرض رؤياه على والده، وهل هنالك من هو أشفق وأحن من والد المرء، ولكن قد يكون والد المرء ليس بصاحب خبرة ولا تجربة ، فليس كل والد يعطيك رأياًُ سديداً ، ولكن في هذه الحالة الوالد يعقوب ـ عليه السلام ـ نبي الله ، فهو في حينه خير مستشار مؤتمن. وسوف نتحدث عن الاستشارة ونقف عندها في مواضع أخرى من السورة، ولكنني رغبت هنا أن أشير إلى وجوب استشارة من هو أهل للشورى.
2. قوله تعالى : ( لا تقصص رؤيا على إخوتك ) وتدل على مبدأ الكتمان والسرية للسياسي والإداري فليس كل ما يعلم يقال ، وأساس الخطط العسكرية والسياسية المفاجئة والمباغتة والتي أساسها واعتمادها على الكتمان ، فلا مفاجئة للعدو دون حرص على السرية وعدم اطلاع الأعداء على الخطط والأسرار ، وليس كتمان الأمر عن الأعداء فقط بل عن المتوقع منهم العداء ، وفي الحديث ( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) وكثيراً من الناس ضاعت مصالحهم ورجع عليهم الكثير من الشر بسب نشر واكتشاف خططهم.
ومبدأ أخر تدل عليه الآية وهو الحسد من القرين بسبب النعمة سواء كانت نعمة العلم أو المال أو الجسم والقوة. فأحياناً في المؤسسات والدوائر تجد من يشكك في المدير وقراراته ، أو من يثير الريبة في السياسي لسبب واحد لا غير وهو الحسد، ولذا على الإداري والسياسي فهم الباعث على ذلك التشكيك والسخط عليهم من قبل البعض، أو عدم طاعة الأمر، أو اختلاق المشاكل والفتن، من قبل الحاسدين ، وأن يتخذ لذلك الأسلوب الأمثل.
3. قوله تعالى:( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك) الآية . مبدأ آخر من مبادئ الحياة والسياسة تشير إليه الآية وهو: أن كمال النعمة للفرد أو للأمة يتحقق بأمرين : أولاهما رضا الله سواء عن الفرد أو الجماعة . والآخر العلم.
فالله يقرّب إليه ويجتبيه من أحبه ، ولكن ليس بالضرورة أم كل من يحبهم الله يكونون سادة وقادة يصلحون لرعاية شؤون الناس وسياسة أمرهم، فالسياسة والإدارة تتطلب العلم أيضاً. وفي الحديث عن تولي المسؤولية والإمارة ما يدلل على قولنا ، حيث لما طلب الإمارة أبو ذر رضي اللعنة قال له الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ : ( إنك إمرء ضعيف وإنها أمانة) وفي الآية على لسان ابنة شعيب ( إن خير من استأجرت القوي الأمين)
ولا يفهم من هذا أن القادة هم دائما أحباء الله كذلك، ولكن في الجماعة المؤمنة على وجه الخصوص غالباً ما يتحقق ذلك، إن تم اختيار القادة وانتخابهم بصورة صحيحة ، وبشكل سليم، وحسب كفاءتهم، ولذا سيكونوا من أعظم أفراد المجموعة تقوى وخشية وعبادة لله، وفي الأغلب من الذين يحبهم الله،وهذا ما تم فعلا مع يوسف عليه السلام.فهو في وقته أخشى الناس لله. وقد اجتباه واختاره الله. وف الوقت ذاته من أفضل أفراد المجموعة تعليماً وثقافة وحنكة سياسية وإدارية.
كما ويخطئ من يظن أن السياسة والإدارة تكون فطرية دون تعلم وخبرة، ولكن مما لاشك فيه أن هنالك لدى بعض الناس استعدادا فطرياً للإدارة والعمل بالسياسة ، فإذا اقترنت بالتعلم واكتساب الخبرة كان السياسي أو المدير ناجحاً ومبهراً في أداء عمله وتحقيق أهدافه، ألا ترى أن الأنبياء جميعا كما في الحديث رعوا الغنم ،لماذا؟ حتى يتم التدريب على إدارة المجموعات ورعايتها وسياستها؛ فالراعي لتلك الأغنام مسئول عنها مسؤولية كاملة ؛ عن طعامها وأماكن تواجدها ، عن شرابها، عن تكاثرها وتناسلها وولادتها، عن مبيتها وقيامها، عن حراستها ودفع الضرر والخطر عنها ، عن أمراضها ، عن تقاتلها مع بعضها ...الخ ألا ترى معي أن ذلك تدريب عملي على إدارة الجماعة البشرية فيما بعد.
ولذا فحب الله وطاعته ثم العلم والمعرفة سبب لرفعة قائد الدولة ورئيسها، وصواب قراره، ونجاحه ، وإفادة الناس منه، وكذلك ينطبق هذا المبدأ على قيادة المجموعات والمؤسسات أياً كان مسماها أو حجمها. وقد ورد في الحديث يوم فتح خيبر أن رسول الله قال: (غدا أعطي الراية لرجل يحبه الله ورسوله فيفتح عليه) فاشرأبت نفوسه الصحابة كلهم لذلك المنصب، حتى إن عمر ليقول إنه لم يحب الإمارة إلا ذلك اليوم، فكلهم يحبهم الله ورسوله، ولكن الفرق بينهم في ذلك الموضع أن قيادة الناس للفتح وقتال العدو بحاجة للعلم بفنون الحرب وخططها والذي لا يتأتى إلا بالعلم.
ابحث
التعليقات
كلام جميل
كلام جميل
أضف تعليقاً