
الْحَمْدَ لِلَّهِ الذي من علينا بنعمة الإيمان والإسلام، وجعلنا خير الأمم وشرفنا بنبي هو خير الأنام،صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد!
فإن أجل النعم وأعظمهاالتي أجزل بها المنعم على بني آدم بعد نعمة الحياة هي: نعمة الإيمان ، و أكبر نعمة بعد الإيمان هي التوسط والاعتدال التي وصف الله بها هذه الأمة بقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.[1]
فهى تتصف بالعدالة، والخيرية، والتوسط بين الطرفين، فالأمة الوسط ليس فيها غلو النصارى بالترهب وإطرائهم عيسى بن مريم ، ولا هم فيها تقصير اليهود، بتبديل كتاب الله، وقتلهم الأنبياء، والكذب على ربهم، والكفر به. فهي أعدل الأمم شهادة، وخير أمة أخرجت للناس، وهي متوسطة بين أهل الإفراط وأهل التفريط من الأمم.
وأهل السنة والجماعة، هم الوسَط في فرق هذه الأمة. قال شيخ الإسلام، ابن
تيمية، في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: بَلْ هُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ؛ كَمَا أَنَّ
الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ:
فَهُمْ وَسَطٌ فِي: بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ «الْجَهْمِيَّةِ» ، وَبَيْنَ أَهْلِ التَّمْثِيلِ «الْمُشَبِّهَةِ» .
- وَهُمْ وَسَطٌ فِي: بَابِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى؛بَيْنَ «الْقَدَرِيَّةِ» ، «وَالْجَبْرِيَّةِ» .
- وَفِي: بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ؛بَيْنَ «الْمُرْجِئَةِ» ، وَبَيْنَ «الْوَعِيدِيَّةِ» مِنَ «الْقَدَرِيَّةِ» وَغَيْرِهِمْ.
- وَفِي: بَابِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ؛ بَيْنَ «الْحَرُورِيَّةِ» «وَالْمُعْتَزِلَةِ» ، وَبَيْنَ «الْمُرْجِئَةِ» «وَالْجَهْمِيَّةِ» .
- وَفِي: أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بَيْنَ «الرَّوَافِضِ» ، وَبَيْنَ «الْخَوَارِجِ».[2]
ولا شك أن أهل السنة والجماعة هم الوسط بين فرق هذه الأمة، في العواطف والمشاعر، والانفعالات[3] وفي العبادة،[4] والسلوك وسائر التصرفات من الأصوات[5] و المشية[6] وتعامل الآخرين[7] والعشرة والمخالطة[8] والإنفاق وبذل الأموال[9] ،وهم الذين يتصفون بالاعتدال والتوسط في التقويم والحكم على الآخرين،[10] فهم وسط بين تكفير الخوارج – بذرة التكفير والإرهاب ومؤسسيه- وبين إرجاء المرجئة
بذرة المعاصي والجرائم.
وقد ابتليت الأمة الإسلامية في هذه النعمة، حيث استهدفته فئات بأفكارها الغريبة، و أعمالها الفاسدة،وكما يقولون" شَرُّ الْبَلِيَّةِ مَا يُضْحِكُ"خالفوا منهج الإسلام الوسط، وخرجوا عن سبيل المؤمنين ثم استندوا إلى فتاوى وأفكار مزعومة نسبوها لبعض أهل العلم المعروفين منهم سيد قطب، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم، "ابن تيمية".
ونحن هنا نقدم قراءة لأفكار شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية رحمه الله تعالى، أخذا من مصنفاته لتتضح مواقفه تجاه قضية تكفير المسلم، والتي طالما جرت الويلات على الأمة الوسط؛ وذلك في صورة قواعد و ضوابط، مستقاة من مؤلفات ابن تيمية بصياغتها ،أو بمفهومها وأدلتها.
مفهوم الكفر والتكفير، وأنواعه
قال ابن فارس:(كَفَرَ) الْكَافُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ. وَالْكُفْرُ: ضِدُّ الْإِيمَانِ، سُمِّيَ لِأَنَّهُ تَغْطِيَةُ الْحَقِّ. وَكَذَلِكَ كُفْرَانُ النِّعْمَةِ: جُحُودُهَا وَسَتْرُهَا.
والْكَفِرَاتُ وَالْكَفَرُ:الثَّنَايَا مِنَ الْجِبَالِ، كَأَنَّ الْجِبَالَ الشَّوَامِخَ قَدْ سَتَرَتْهَا.وَالْكَفْرُ: القرية.[11]
وأطلق الكافِرُ في اللغة على كل من :التراب، والقير والزفت، والليل، والبَحْر، والوادِي العظيم، و النهر الكبير،والكفارات، والسَّحاب المُظْلِم، والزارِع، والدِّرْع.[12] لمعنى الستر والتغطية في كل منها.
الكفر شرعا:
والكفر في الاصطلاح هو: نقيض الإيمان. و هو تغطية ما حقه الإظهار من وحدانية الله تعالى أو النبوة أو الشريعة .[13] وعرف : كل اعتقاد أو قول أو فعل أو ترك يناقض الإيمان".[14]
وهذا هو الكفر إذا أطلق في الشرع إلا أن يدل السياق أو القرينة على غير ذلك.
قال ابن تيمية: وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً أَوْ بِإِنْكَارِ الْأَحْكَامِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ".[15]
و التكفير هو: الحكم على أحد من الناس بأنه خرج من الإسلام, ووصْفُه بوصف الكفر, لإتيانه بما يوجب كفره.
ويوصف كل من الكفر والشرك والفسق والمعصية والبدعة بـ: الأكبر المخرج من الملة و الأصغر الذي لا يخرج من الملة يضعف الإيمان وينقصه.
أنواع الكفر
وينقسم الكفر الشرعي إلى قسمين:
كفر أكبر:هو المخرج من الملة والموجب للخلود في النار.
كفر أصغر : هو الموجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود ولايخرج من الملة.[16]
والأمثلة عليه كثيرة من الأحاديث الصحيحة مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ".[17] وقوله صلى الله عليه وسلم: " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ"[18] وقوله صلى الله عليه وسلم: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ"[19].
فهذه كلها معاصي، وليست كفرا سماها الرسول صلى الله عليه وسلم كفرا.
والكفر باعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن ثلاثة أنواع:
1 - كفر قلبي: وهو الكفر الاعتقادي.
2 - كفر قولي: مثل سب الله أو سب رسوله او ادعاء النبوة
3 - كفر عملي: وهو قسمان:مخرج من الملة،وغير مخرج من الملة.
والكفر باعتبار الإطلاق والتعيين نوعان:
- تكفير المطلق أو النوع: وهو تعليق الكفر على وصف عام لا يختص بفرد معين كما في قول الله تعالى:{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}.
والكفرالأكبر باعتبار بواعثه وأسبابه ستة أنواع:
1 - الإنكار والتكذيب: أن ينكر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من الإيمان قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}.[20]
2 – الجحود: وهو إما مطلق- أن يجحد جملة ما أنزل الله عزوجل، أو إرسال
الرسل.أومقيد- أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام، أو تحريم محرم. وهو:أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه.
3 - العناد ووالإباء والاستكبار: هو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان مثل كفر إبليس، قال تعالى:{فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.[21]
4 – النفاق: أن يقر بلسانه ويكفر بقلبه وذلك مثل كفر المنافقين.
5 – الإعراض: ك. ما قال الله تعالى:{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ}.[22]
6 – الشك والظن: كماقال تعالى حكاية عن أصحاب الجنة:{وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا}.[23]
خطورة آثار التكفير
والتكفير-الحكم على شخص معين بالكفر- تترتب عليه آثار خطيرة في الدنيا والآخرة:
أما الدنيا فالضلال والبعد عن الهداية وقطع الأخوة والموالاة بينه وبين المسلمين, وحرمانه من حق الولاية على أولاده، وفسخ نكاحه والتفريق بينه وبين زوجته, ووجوب قتله شرعاً للردة وإباحة ماله وعقاره ومنع التوارث بينه وبين قرابته المسلمين,ومنع غسله والصلاة عليه، وعدم دفنه في مقابر المسلمين.
أما الآخرة فحرمان الإنسان من رحمة الله تعالى و الطرد منها واللعنة وغضب الله
تعالى والخزي والعار وحبط الأعمال والخلود في النار, وقطع رجائه من الخروج منها, وعدم استحقاقه للشفاعة.
قال ابن تيمية رحمه الله: "التكفيرحكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدماء والحكم بالخلود في النار".[24]
وقال أيضًا:" إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا، فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان".[25]
ولأجل آثار الكفر الخطيرة في الدنيا والآخرة، ورد النهي عن التكفير أو التسرع فيه بدون سبب شرعي، و كان السلف الصالحون يتجنبون التكفير .
موقف الصحابة في التكفير:
فقد روي عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ نَاسًا يَشْهَدُونَ عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، قَالَ أَنَسٌ: أُولَئِكَ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ".
وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا وَهُوَ مُجَاوِرٌ بِمَكَّةَ، وَهُوَ نَازِلٌ فِي بَنِي فِهْرٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ: هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُشْرِكًا ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، فَفَزِعَ لِذَلِكَ. قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَدْعُونَ أَحَدًا مِنْهُمْ كَافِرًا ؟ قَالَ: لَا.[26]
وَسِيرَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِنَصِّ رَسُولِ اللَّهِ وَفَرِحَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صفين فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ وَالذَّمِّ عَلَيْهِ مَا ظَهَرَ. وَقَالَ فِي أَهْلِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهِمْ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا طَهَّرَهُمْ السَّيْفُ وَصَلَّى عَلَى قَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ.[27]
أما القواعد الشرعية التي يجب مراعاتها لدى الحكم على الناس فهي كالآتي:
أول هذه القواعد أن التكفير حكمٌ شرعي حق لله تعالى، لايثبت إلا بدليل ، مثل سائر الأحكام الشرعية. فلا يكفر من العقائد والأعمال والأشخاص إلا ما نص الشارع على كونه كفرا،نصا بتصريح اسمه مثل الشرك والتكذيب في العقيدة، ومثل فرعون وإبليس في الأشخاص ، قال ابن تيمية: "إِنَّ الْإِيجَابَ وَالتَّحْرِيمَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ وَالتَّكْفِيرَ وَالتَّفْسِيقَ هُوَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَيْسَ لِأَحَدِ فِي هَذَا حُكْمٌ وَإِنَّمَا عَلَى النَّاسِ إيجَابُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَتَحْرِيمُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَتَصْدِيقُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.[28]
وقال ابن تيمية رحمه الله :" فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله لأنَّ الكذب والزنا حرامٌ لحق الله.وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأيضاً فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كلُّ من جهل شيئا من الدين
يكفر ".[29]
وقال الهراس شارح "النونية":" إنه ليس لأحد من الناس أن يكفر أحدا لمخالفته له في رأيه، بل التكفير حق للّه ورسوله وحدهما، فلا يثبت إلا بالنص ولا يقع برأي أحد ولا بقوله، فمن كفره اللّه ورسوله فهو الكافر حقا".[30]
وقال ابن تيمية:"لَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَ تُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ. وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ."[31]
قال شيخ الإسلام :"وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَنْ أَنْكَرشَيْئًا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ بَلْ عُلِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا وَإِنَّمَا الْكَافِرُ مَنْ أَنْكَرَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ".[32]
وقال ابن تيمية: "من كانت معارضته بمثل هذه الألفاظ لم يجز له أن يكفر مخالفه، إن لم يكن قوله مما يبين الشرع أنه كفر، لأن الكفر حكم شرعي متلقي عن صاحب الشريعة، والعقل قد يعلم به صواب القول وخطؤه، وليس كل ما كان خطأ في العقل يكون كفرأ في الشرع".[33]
وقال أيضا:إِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ؛ وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ مِنْ الدِّينِ. وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا
يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ ".[34]
وقد سئل أبو المعالي الجوينى عن تكفير الخوارج، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين.[35]
وقال المحدث الكشميري:"التكفير حكم شرعي، يرجع إلى إباحة المال، وسفك الدم، والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمأخذ سائر الأحكام الشرعية، فتارةًَ يدرك بيقين وتارة يظن غالب وتارةً يتردد فيه، ومهما حصل تردد فالوقف فيه عن التكفير أولى"..." الكفر حكم شرعي، كالرق والحرية مثلاً، إذ معناه: إباحة الدم، والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص،، وإما بقياس على منصوص".[36]
و بناء على هذه القاعدة نقول:
- التكفير حكم شرعي ، وفهم الأحكام الشرعية واستخراجها من النصوص، يختص بأهل العلم، فلا يجوز لأحد من العامة – الإعلاميين أو صاحب اختصاص في غير الشريعة- الخوض في مسائل التكفير أو التفسيق أو التبديع، وإنما ذلك إلى العلماء المجتهدين والراسخين في العلم. فلا يأتي أحدهم ويقرأ نصاً معيناً حكم فيه بالكفر على فاعل أو فعل ما، ويقول قد نص الشرع على كفر فاعل كذا ثم يكفره بناءً على قراءته لهذا النص، دون اعتبار للضوابط والقواعد والشروط المتعلقة بهذا الموضوع.
- ولايثبت التكفير إلا بدليل معتبر شرعا،فمن نص الشرع على كفره قلنا بكفره،
ومن لم يكفره لم نكفره.
– ولا يجوزالتكفير بالعقليات، لأن الكفر هو الخروج من الدين أو مناقضته، ولا يعتبر الخروج عن العقليات ومناقضتها خروجاً عن الدين.
- أنه لابد من تعلم أحكامه والتفقه فيه؛ لأنه حكم شرعي؛ ولأن له أهمية كبيرة لارتباطه بكثيرٍ من الأحكام الشرعية, مثاله: النكاح فلكي نقبل بالرجل زوجاً لابد أن يكون مسلماً.
- أنه لا يصح ولا يجوز مجاوزة الحدِّ الشرعي فيه، لا بالإفراط ولا بالتفريط.
وتكفير المسلمين،أو تفسيقهم وتبديعهم أو تضليلهم، ليس من الإسلام ولا من هدي الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ثبت ذلك النهي وورد الوعيد والتحذير من تكفير المسلم في عدة أحاديث روية عَنْ أَبِي ذَرٍّ [37]و ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ[38] وأَبِي هُرَيْرَةَ[39] و عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ[40] و أبي سعيد الخدري[41] رضي الله عنهم أجمعين أَنََّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ" أو: ما أكفر رجل قط إلا باء أحدهما بها إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره.
ومعنى هذه الأحاديث التي ورد فيها النهي عن تكفير المسلم أنه إن كفَّره رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره و أن ذلك يؤول به إلى الكفر; فالمعاصي بريد الكفر. ويرجع عليه تكفيره; لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام .
يقول ابن دقيق العيد في بيان معنى هذا الحديث:هذا وعيد عظيم لمن أكفر أحداً من المسلمين و ليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة وأهـل الحديث لما اختلفـوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم، وحكموا بكفرهم ".[42]
ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك بقوله:"هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى وَإِنِّي أُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا: وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ وَلَا بِفِسْقِ وَلَا مَعْصِيَةٍ".[43]
ولما قرر ابن الوزير تواتر الأحاديث في النهي عن تكفير المسلم[44].. قال رحمه الله:"
وَفِي مَجْمُوع ذَلِك مَا يشْهد لصِحَّة التَّغْلِيظ فِي تَكْفِير الْمُؤمن وإخراجه من الاسلام مَعَ شَهَادَته بِالتَّوْحِيدِ والنبوات وخاصة مَعَ قِيَامه بأركان الْإِسْلَام وتجنبه للكبائر وَظُهُور أَمَارَات صدقه فِي تَصْدِيقه لأجل غلطة فِي بِدعَة لَعَلَّ الْكفْر لَهُ لَا يسلم من مثلهَا أَو قريب مِنْهَا فان الْعِصْمَة مُرْتَفعَة وَحسن ظن الانسان بِنَفسِهِ لَا يسْتَلْزم السَّلامَة من ذَلِك عقلا وَلَا شرعا".[45]
ويقول أيضاً: وقد عوقبت الخوارج أشد العقوبة، وذمت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله تعالى، وتعظيمهم الله تعالى بتكفير عاصية، فلا يأمن لمكفر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل.[46]
ويحذر الإمام الشوكاني من التسرع في التكفير قائلاً: اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية عن طريق جماعة من الصحابة أن من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما.[47]
لا خلاف في هذا الأصل بين أهل العلم، وذلك لأن أباهم آدم عليه السلام كان مسلما ونبيا،وولده من بعده استقروا على دينه" الإسلام" حتى جاءتهم الشياطين فاجتالتهم،و كل مولود يولد على الإيمان الفطري - فطرة الإسلام- كما دل عليه الحديث النبوي الشريف: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ َضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.[48]
وتوضيح ذلك في قول الله تعالى :{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.[49]
وورد في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه:قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولودٍ يولد من والدٍ كافرٍ أو مسلمٍ، فإنما يولدون على الفطرة، على الإسلام كلهم، ولكن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فهودتهم، ونصرتهم، ومجستهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً".[50]
وكون الأطفال يولدون على الفطرة لا يعني أنهم مكلفون، وإنما جعل الله هذه الفطرة معينة لهم على قبول الدين ومعرفة الشريعة ودافعة لهم على قبولها ومحبتها.
وجَعَل النبي صلى الله عليه وسلم اتِّفَاقَ الوالدين نَاقِلاً لَولدهما عَنِ الْفِطْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقَا بَقِيَ عَلَى أَصْل الْفِطْرَةِ أَوْ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهَا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ}فَالصَّوَابُ أَنَّهَا فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِطْرَةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطرَهُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ قَالَ: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} . وَهِيَ السَّلَامَةُ مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ وَالْقَبُولُ لِلْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ. فَإِنَّ حَقِيقَةَ " الْإِسْلَامِ " أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلَّهِ؛ لَا لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: {كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟} بَيَّنَ أَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنْ النَّقْصِ كَسَلَامَةِ الْبَدَنِ وَأَنَّ الْعَيْبَ حَادِثٌ طَارِئٌ"... وَمَثَلُ الْفِطْرَةِ مَعَ الْحَقِّ: مَثَلُ ضَوْءِ الْعَيْنِ مَعَ الشَّمْسِ وَكُلُّ ذِي عَيْنٍ لَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ حِجَابٍ لَرَأَى الشَّمْسَ وَ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةَ الْعَارِضَةَ مَنْ تَهَوَّدَ وَتَنَصَّرَ وَتَمَجَّسَ: مَثَلُ حِجَابٍ يَحُولُ بَيْنَ الْبَصَرِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ...وَكَذَلِكَ أَيْضًا كُلُّ ذِي حِسٍّ سَلِيمٍ يُحِبُّ الْحُلْوَ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ فِي الطَّبِيعَةِ فَسَادٌ يُحَرِّفُهُ حَتَّى يُجْعَلَ الْحُلْوُ فِي فَمِهِ مُرًّا. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ مَوْلُودِينَ عَلَى الْفِطْرَةِ أَنْ يَكُونُوا حِينَ الْوِلَادَةِ مُعْتَقِدِينَ لِلْإِسْلَامِ بِالْفِعْلِ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَنَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِنَا لَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَلَكِنْ سَلَامَةُ الْقَلْبِ وَقَبُولُهُ وَإِرَادَتُهُ لِلْحَقِّ: الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ لَمَا كَانَ إلَّا مُسْلِمًا. وَهَذِهِ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي بِذَاتِهَا الْإِسْلَامَ مَا لَمْ يَمْنَعْهَا مَانِعٌ: هِيَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا.[51]
وقال رحمه الله تعالى:"والله سبحانه فطر عباده على شيئين: إقرار قلوبهم به علماً وعلى محبته والخضوع له عملاً وعبادة واستعانة، فـهم مفطورون على العلم به والعمل له وهو الإسلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود الخ".[52]
وقال أيضا:وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه ، بعثوا بتكميل الْفطْرَة وتقريرها لَا بتحويل الْفطْرَة وتغييرها. وَقد قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة الخ".[53]
وقال شارحا للحديث:" ومعلوم أن قوله: كل مولود يولد على الفطرة، ليس المراد به أنه حين ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً له، بحيث يعقل ذلك؛ فإن الله يقول:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا}.[54]
ونحن نعلم بالاضطرار أن الطفل ليس عنده معرفة بهذا الأمر، ولكن ولادته على
الفطرة تقتضي أن الفطرة تقتضي ذلك، وتستوجبه بحسبها.
فكلما حصل فيه قوة العلم والإرادة، حصل من معرفتها بربها، ومحبتها له، ما يناسب ذلك كما أنه ولد على أنه يحب جلب المنافع ودفع المضار بحسبه، وحينئذ فحصول موجب الفطرة، سواء توقف على سبب، وذلك السبب موجود من خارج، أو لم يتوقف، على التقديرين يحصل المقصود.ولكن قد يتفق لبعضها فوات الشرط أو وجود مانع، فلا يحصل مقصود الفطرة".[55]
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَ أَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا ".[56]
وقال أيضا رحمه الله:"النفس بفطرتها إذا تُرِكت كانت مقرة لله بالإلهية، محبة له، تعبده لا تشرك به شيئاً، ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس والجن بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل".[57]
وتفرعت عنها قاعدة أخرى مهمة:
أو"الْوَلَدُ يَتْبَعُ أَشْرَفَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا"كما عبر به بعض الشافعية؛[58] والحنابلة.[59]
اتفق الفقهاء على هذه القاعدة ، فإذا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا، فَالْوَلَدُ عَلَى دِينِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ صَارَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِهِ، لأِنَّ فِي جَعْلِهِ تَبَعًا لَهُ نَظَرًا لَهُ. وإذا بلغ يستمر مسلما ولا يحتاج إلى تجديد اسلامه.وكذا لو كانت الأم كتابية والأب مسلم، فالولد مسلم تبعا لأبيه.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا، وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا، فَالْوَلَدُ كِتَابِيٌّ، لأَنَّ فِيهِ نَوْعَ نَظَرٍ لَهُ، إِذِ الْمَجُوسِيَّةُ شَرٌّ.[60]
وقَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ الفقيه الشافعي: لَوْ وَطِئَ مُسْلِمٌ كَافِرَةً بِالزِّنَى، فَهَل يَلْحَقُ الْوَلَدُ الْمُسْلِمَ فِي الإْسْلاَمِ ،أَوْ يَلْحَقُ الْكَافِرَةَ؟ ذَهَبُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إِلَى الأْوَّل، وَاعْتَمَدَ الرَّمْلِيُّ تَبَعًا لِوَالِدِهِ الثَّانِي لأِنَّهُ مَقْطُوعُ النَّسَبِ عَنْهُ.[61]
وَ قَال الإْمَامُ أَحْمَدُ: فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ أن وَلَدُهَا مُسْلِمٌ، لأِنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ.[62]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وَكَذَلِكَ " حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ" يَتْبَعُ اعْتِقَادَ أَبِيهِ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي " النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ " وَيَتْبَعُ أُمَّهُ فِي هَذَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَيَتْبَعُ فِي الدِّينِ خَيْرَهُمَا دِينًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ".[63]
وبناء على هذا لم يقطع أهل السنة والجماعة بمصير أطفال المشركين يوم القيامة.
قال ابن تيمية:"ولهذا لما تنازع الناس في أطفال الكفار فطائفة جزمت بأنهم كلهم في الناروطائفة جزمت بأنهم كلهم في الجنة كان الصواب الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة وهو قول أهل السنة أنه لا يحكم فيهم كلهم بجنة ولا بنار بل يقال فيهم كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل مولود يولد ...وقيل: يا رسول الله أفرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين".[64]
وقال رحمه الله تعالى:{لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ} أَيْ اللَّهُ يَعْلَمُ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْهُمْ وَمَنْ يَكْفُرُ لَوْ بَلَغُوا. ثُمَّ إنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "{إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُهُمْ وَيَبْعَثُ إلَيْهِمْ رَسُولًا فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ أَجَابَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ} فَهُنَالِكَ يَظْهَرُ فِيهِمْ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَيَجْزِيهِمْ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْعِلْمِ وَهُوَ إيمَانُهُمْ وَكُفْرُهُمْ؛ لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ. وَهَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَعَلَيْهِ تَتَنَزَّلُ جَمِيعُ الْأَحَادِيثِ.[65]
وقال أيضا:" وَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ: فَأَصَحُّ الْأَوْجُهِ فِيهِمْ، جَوَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» الْحَدِيثَ، «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مَنْ يَمُوتُ مِنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» فَلَا يُحْكَمُ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْهُمْ لَا بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ .وَيُرْوَى أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُمْتَحَنُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ حِينَئِذٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ، وَدَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَبَعْضَهُمْ فِي النَّارِ".[66]
وقال رحمه الله تعالى: ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إلَى أَنَّ الطِّفْلَ مَتَى مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ؛ لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِلتَّغْيِيرِ عَنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ. [67]
والحفاظ على دين الطفل المسلم وصيانة إيمانه وتربيته على العقيدة السليمة والإيمان، مما حرصت الشريعة الإسلامية عليه، وأمرت به في نصوص تضافرت في مصادر الشريعة، ونص العلماء على أن حفظ الدين من مقاصد الشريعة الضرورية بل هو أولها ترتيبا وأهمها في نظر الشرع و أولاها بالرعاية، يضحى لأجله بالنفس والنفيس والغالي والرخيص.
وبعث الله الأنبياء للدعوة إلى الإيمان كما قال تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.[68] فكان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حريصا على إيمان الكفار حتى أرهق نفسه في سبيل ذلك و قد ذكر الله هذا في كتابه الكريم:{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}.[69]
والدعوة إلى الإيمان ، دأب الصالحين من أتباع الأنبياء كما قال تعالى:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.[70]
فثبت بما قدمنا أن الأصل الثابت، المقرر شرعا هو: أن الأصل في كل إنسان
من حين مولده إلى وفاته أن يكون مسلما، يقينُ إيمان كل إنسان،وبخاصة المسلم في المجتمع الإسلامي.إذا تقرر هذا فنقول: القاعدة الشرعية الكلية أن:
فالمولود ولد على الفطرة والقاعدة أنه باق على فطرته-الإسلام- حتى يأتي يقين زوال هذه الفطرة . فلذلك لا يجوز تكفير أحد من المسلمين بمجرد ظن أو تأويل أو اجتهاد؛ لأن إسلامه ثابت بيقين, فلا يزول بالشك .
استدل بهذه القاعدة ابن القيم - وهو أخص تلاميذ ابن تيمية رحمه الله تعالى- في كتبه[72]، وكذلك ورد الاستدلال بها في مختصر الفتاوى المصرية[73].
هذه القاعدة و إن لم ترد بهذه الصياغة ،إلا أنهم متفقون عليها، معاصرون[74] وقدامى،ولهم فيها عبارات قريبة منها، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: مَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".[75]
وهي متفرعة عن القاعدة الفقهية الكبرى:اليقين لا يزول بالشك"[76]
وهي تبين الجانب الإيجابي منها، ومعناها لا ينقض الأمر المتيقن ثبوتًا أو نفيًا بشك عارض. وهي من القواعد الفقهية الكلية الخمس الكبرى ، وتدخل في غالب أبواب الفقه –الأكبر والأصغر - وبالتحديد تدخل هذه القاعدة في كل فرعٍ يتجاذبه يقين وشك فيسقط الشك ويحكم باليقين"لأن الشك أضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتا وعدما"[77].
فمن ثبت إسلامه يحكم له بأنه مسلم، عند وقوع الشك أو النـزاع حتى يتبين خلافه, قال ابن حجر العسقلاني: "من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين"[78]
وقد استدل الإمام أبوبكر الباقلاني بهذه القاعدة على عدالة الصحابة وعدم تفسيقهم بأخبار الآحاد لأنها ظنية ،قال: " كل أَمر رُوِيَ عَن الصَّحَابَة فِيهِ تأثيم وَقذف بعصيان فَيجب أَن نبطله وننفيه إِذا ورد وُرُودَ الْآحَاد لِأَن "من ثَبت إيمَانه وبره وعدالته لَا يفسق بأخبار الْآحَاد" .[79]
ودليل القاعدة نصوص من الكتاب والسنة. من ذلك: قول الله تعالى:{ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.[80]
فالحق هو الجزم واليقين،والثابت، والظن هو الشك، فعاب الله جل وعلا ، على من اتبع الظنون الكاذبة وترك الحق الثابت بالدليل الواضح .
وتتفرع عنها قاعدة أخرى قريبة من الأولى:
وبناء على ذلك :من ثبت له أصل الإسلام لا يخرج من الإسلام ولايكفر ولا يحكم بكفره إلا بيقين ، ومن ثبتت له السنة لا يخرج منها إلا بيقين، وهكذا من ثبت له شيء؛ فإنه لا يُنزع منه إلا بيقين.
والخطأ في الحكم بالإيمان أهون من الخطأ في الحكم بالكفر أي لو أنك حكمت لشخص بالإسلام بناءً على ظاهر الحال، حتى لو كان من المنافقين مثلاً أو ليس كذلك؛ فإن هذا أهون من أن تسرع وتحكم على شخص بالكفر، ويكون ليس كذلك؛ فتقع في الوعيد: وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ" أي رجع عليه.
قبل الشارع ظواهر الناس لصالح الإيمان واعتناقهم الإسلام،ولم ينقب عن قلوبهم ولا عن نياتهم.
وذلك كما في قصة أسامة بن زيد و رجل من سليم راعي غنم و قول عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُم أجمعين.أما قصة أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَاالْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ وَقَتَلْتَهُ؟! قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ. قَالَ: أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا
أَمْ لَا؟!! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ.[82]
وقصة رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ رواها ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْنَا إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنَّا" فَعَمَدُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا}.[83]
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدْ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمْ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللَّهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ.[84]
وقبل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهر إيمان المنافقين في عصره و لم ينقب عن نياتهم ولم يتهمهم فيها قال الإمام النووي: لم يقتل النبي صلى الله عليه و سلم المنافقين.. لإظهارهم الإسلام وقد أمر بـ"الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر" ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم.[85]
وفي حديث أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهاَ:إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا.[86]
قال الإمام النووي:معناه التنبيه على حالة البشرية ؛وأن البشرلا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا إلا أن يطلعهم الله تعالى على شئ من ذلك وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر.[87]
قال الشوكاني: فيه دلالة على أن الواجب المعاملة للناس بما يعرف من ظواهر أحوالهم من دون تفتيش وتنقيش فإن ذلك مما لم يتعبدنا الله به .. واعتباره صلى الله عليه وسلم لظواهر الأحوال كان ديدنا له وهجيرا في جميع أموره.[88]
قال ابن تيمية: "وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يُظْهِرُوا نِفَاقَهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ إذَا مَاتُوا وَيُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَقْبَرَةُ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَيَاتِهِ وَحَيَاةِ خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ يُدْفَنُ فِيهَا كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا فِي الْبَاطِنِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُنَافِقِينَ مَقْبَرَةٌ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا تَكُونُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَقْبَرَةٌ يَتَمَيَّزُونَ بِهَا وَمَنْ دُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَالصَّلَاةُ لَا تَجُوزُ عَلَى مَنْ عُلِمَ نِفَاقُهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى "الْإِيمَانِ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ".[89]
وقال ابن تيمية: كَالْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْبَلُ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ عَلَانِيَتَهُ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ. فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُخَادِعُونَ بِعُقُودٍ ظَاهِرُهَا حَسَنٌ وَبَاطِنُهَا قَبِيحٌ هُمْ مُنَافِقُونَ بِذَلِكَ فَهُمْ آثِمُونَ عَاصُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَوِيَّةُ إنَّمَا تَجْرِي عَلَى الظَّاهِرِ....إنَّمَا نَقْبَلُ مِنْ الرَّجُلِ ظَاهِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ إذَا لَمْ يُظْهِرْ لَنَا أَنَّ بَاطِنَهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِهِ، فَأَمَّا إذَا أَظْهَرَ ذَلِكَ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ فَكُنَّا
حَاكِمِينَ أَيْضًا بِالظَّاهِرِ الدَّالِّ عَلَى الْبَاطِنِ لَا بِمُجَرَّدِ بَاطِنٍ".[90]
وقال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ:
وَأَنَّ السَّرَائِرَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.[91]
وقال ابن تيمية رحمه الله :فَإِذَا أَظْهَرَ الْمُنَافِقُ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ عُوقِبَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى مَا يُعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهِ بِلَا حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْلَمُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِمْ وَكَانُوا يَحْلِفُونَ لَهُ وَهُمْ كَاذِبُونَ؛ وَكَانَ يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلُ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللَّهِ".[92]
يشترط لتكفير شخص: توافر قصد القول أو الفعل المكفر. بمعنى أن يكون واعيا مايقول، قاصداً له غير ذاهل عنه ولا جاريا على لسانه بغير قصد , مثل سبق اللسان والكلام الصادر في حال الإغلاق بدهشة ونحوها. فإن للنية في تصرفات الإنسان المحتملة للكفر والإيمان اعتبارا في الشرع ، والمرجع لمعرفة النية إلى صاحب التصرف فقط لا إلى غيره. وإذا تفوه المسلم ما يحتمل معنى صحيحاً وآخر مكفرا، ولم يكن ينوي المعنى المكفر ، فهو لا يكفر، كما في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.[93]
و"راعنا" كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبة،والإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قالها أناس من المسلمين فنهاهم الله تعالى عنها ولم يكفرهم بها.
وأقوال الإنسان تدخل في الأعمال فيعتبر لها النية، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".[94]
بين الرسول صلى الله عليه وسلم ميزانا لأعمال الإنسان في باطنها،وأن له ما نوى.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: :"فإن التكفيرلا يكون بأمرٍ محتمل".[95]
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى:" وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا . و هذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ويعتبر لها النية".[96]
وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى " سئل عن رجلٍ سمع مؤذّناً يقول:
(أشهد أن محمداً رسول الله) فقال: كذبت، هل يكفر؟ فقال: "لا، لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال لا في أصل الكلمة، فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة".[97]
وهنا نبين قاعدة العلاقة بين الظاهر والباطن فنقول العلاقة أربع احتمالات:
- الاحتمال الأول: الكفر باطنا والإسلام ظاهرا:
مثل المنافقين فهؤلاء يعاملون كأنهم مسلمون،ولا يحكم بكفرهم في الدنيا، لأن
"أحكام الدنيا على الظاهر" وهم كفار في الحقيقة في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة.
وذلك لأنا لا نعلم حقيقة ما في القلوب وما تبطنه من عقائد عموماً، فإننا متعبدون بالحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم رغم معرفته لبعض المنافقين بأعيانهم ولآخرين بأوصافهم، ومعرفته بوجود منافقين لا يعلم عنهم شيئاً مع هذا كله لم يعلن كفر من عرفه وعرف أوصافه.
- الاحتمال الثاني: الكفرظاهرا وباطنا:
وهذا كسبّ الله سبحانه أو نبيه صلى الله عليه وسلم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" إن سب الله أو سب رسوله، كفر ظاهراً وباطناً، وسواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة".[98]
- الاحتمال الثالث: الكفر المحتمل ظاهرا والإسلام باطنا:
مثل السجود للنبي صلى الله عليه وسلم، أوغيره فهو يحتمل الشرك ويحتمل التعظيم. فلا نتعجل في الحكم على الساجد لغير الله تعالى حتى نستفسره ونتبين مراده. وذلك لحديث قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَقُلْتُ: رَسُولُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ" قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ" قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ : لَا، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ
لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ".[99]
ولحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوفى قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنْ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَفْعَلُوا فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ.[100]
فالسجود غير دال دلالة قطعية على عبادة غير الله بل قد يحتمل غيرها كالإكرام والتعظيم، وعليه فلا يكفر الفاعل ويبقى مسلماحتى يتم استجوابه عن قصده والمرجع في ذلك إليه لا إلى غيره فهو:
- إما أن يلتزم احتمال الكفر الباطن، فيتعين تكفيره بناء على إقراره.
- أو ينفيه ، ويقول: إنه أراد التعظيم لا الشرك،فلا يقبل إلا قوله.ولايكفر ولكن فعله هذا حرام لا يخلو من الإثم إن علم حرمته.
- أو يسكت، فلا يلتزم و لا ينفي. فـالقاعدة في هذه الحالة أنه:
وكذلك: لازم القول إذا كان باطلا فليس بقول ، وذلك في كلام البشر،فإن الإنسان بشر وله حالات وطوارئ توجب الذهول عن اللازم فقد يغفل أو يسهو أو ينغلق فكره أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه.
وقال ابن حزم: "وَأما من كفر النَّاس بِمَا تؤول إِلَيْهِ أَقْوَالهم فخطأ لِأَنَّهُ كذب على
الْخصم وتقويل لَهُ مَا لم يقل بِهِ وَإِن لزمَه فَلم يحصل على غير التَّنَاقُض فَقَط والتناقض لَيْسَ كفرا بل قد أحسن إِذْ فر من الْكفْر".[102]
- الاحتمال الرابع: الكفرظاهرا مع الاحتمال في القصد الباطن:
وهذا كالرجل الذي أمر أهله بسحقه وذريه بعد موته، وظنه أن الله لن يقدر على بعثه، فهذا الظن كفر قطعاً، مع هذا سأله رب العالمين عما حمله عليه ،فقبل منه عذره وغفر الله له و نطق كلمة الكفر في حالة الذهولِ دهشةً أو فرحةً و سرورًا، وكذا حكاية كلمات الكفر-لا أفعاله - وهو أن يحكي أو ينقل مسلم قولا كفريا عن غيره مع عدم إيمانه به أو تصديقه له. أو الخطأ في التعبير عن الإيمان والإسلام بسبب الجهل.
كما في حديث أبي سعيد وحذيفة رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلاً كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالاً فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ :أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَإِذَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا ثُمَّ أَوْرُوا نَارًا فَأَحْرِقُونِي إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي فَخُذُوهَا ثُمَّ اسْحَقُونِي ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ حَارٍّ ، أَوْ رَاحٍ فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ. فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِه. فَغَفَرَ لَهُ.[103]
والنطق بالكفر حالة الذهولِ دهشةً أو فرحةً و سرورًا كما ورد في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.[104]
قال ابن حجر العسقلاني:فيه: أن ما قاله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به، وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو كان منكرا ما حكاه وفيه اعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الإيمان.[105]
وفي حالة الخطأ في التعبير عن الإسلام قد يكون الخطأ في ظاهر اللفظ عمدا، لجهل اللافظ فيكتفي الشرع في الإقرار بالإيمان بأدنى دلالة عليه ولو كان المعين قد أخطأ في التعبير عن إقراره، كما في قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقتله لمن قالوا:صبأنا يريدون بذلك الإسلام. فالإقرار إذن ليس له صيغة وكيفية خاصة، وإنما يتحقق بكل ما دل على قبول الإسلام وإرادة الدخول فيه دون أي شرط آخر كما في حديث سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ.[106]
ففيه دليل على مشروعية بل وجوب التبين والاستفسار عمن ظهر منه ما يحتمل الشرك، و لا يجوز الاستعجال في الحكم عليه بالكفر والشرك والبدعة أو الضلال، و إنما يرجع إليه في تحديد قصده و نيته.
ولقصة حاطب بن أبي بلتعة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ و قد حكاها الله تعالى في القرآن الكريم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُواعَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ .[107]
وسبب نزول هذه الآيات ما ورد عن عَلِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا" فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إلى الرَّوْضَةِ فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إلى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَ أَمْوَالَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا
ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ
صَدَقَكُمْ قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ قَالَ إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ .[108]
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث .. طرح الحكم باستعمال الظنون لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون زلة لا رغبة عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله.وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بأن لم يقتله ولم يستعمل عليه الأغلب ولا أحد أتى في مثل هذا أعظم في الظاهر من هذا لأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مباين في عظمته لجميع الآدميين بعده فإذا كان من خابر المشركين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غرتهم فصدقه ما عاب عليه الأغلب مما يقع في النفوس فيكون لذلك مقبولا كان من بعده في أقل من حاله وأولى أن يقبل منه مثل ما قبل منه.
قيل للشافعي أفرأيت إن قال قائل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قد صدق إنما تركه لمعرفته بصدقه لا بأن فعله كان يحتمل الصدق وغيره .فقال له: قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر فلو كان حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حاطب بالعلم بصدقه كان حكمه على المنافقين القتل بالعلم بكذبهم ولكنه إنما حكم في كل بالظاهر وتولى الله عز وجل منهم السرائر، ولئلا يكون لحاكم بعده أن يدع حكما له مثل ما وصفت من علل أهل الجاهلية وكل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عام حتى يأتي عنه دلالة على أنه أراد به الخاص أو عن جماعة المسلمين الذين لا يمكن فيهم أن يجهلوا له سنة أو يكون ذلك موجودا في كتاب الله عز وجل".[109]
وقيام حاطب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بما قام به ، لا شك أن فيه إيذاء للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،و للمسلمين بدلالة الكفار على عورتهم، و مع ذلك فلم يحكم عليه بالردة بل استدعاه واستفسره فأنكر الردة أعاذنا الله منها،فقبل ذلك منه.
ومنه حديث أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أن خَالِد بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي .فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ".[110]
قال الإمام النووي:"معناه أنى أمرت بـ"الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر".[111]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المنافقين الذين يصلون: أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ.[112]
قال الإمام النووي: لم يقتل النبي صلى الله عليه و سلم المنافقين..لإظهارهم الإسلام وقد أمر بـ"الحكم بالظاهر والله يتولى السرائر".[113]
والحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر قاعدة مهمة من قواعد النية، ومجمع
عليها، و مقتضاه حمل إيمان الآخرين على الظاهر دون التعرض للنوايا لكونه غيبا لا يطلع عليه أحد دون الله تعالى بدلائل شرعية ثابتة فقد قال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.[114]
فالآية صريحة في أن من أظهر شيئاً من شعائر الإسلام حكم بإسلامه،ونهى الله المؤمنين أن ينفوا الإيمان عمن تحقق فيه ذلك، ولازم ذلك أن يحكموا بظاهر إقراره بإسلامه لأنه لا دليل قاطع على عدم اعتبار إقراره. ومجرد الشك في أنه قد يكون متعوذاً لا يكفي في نفي وصف الإسلام عنه.
ومثله – في قبول ظاهر الإيمان وعدم التنقيب عن باطن القلب ومكنون النية- حديث الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ- وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَاقْتَتَلْنَا فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ للهِ آأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقْتُلْهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ.[115]
حكاية الكفر:
وحكاية الأقوال الكفرية ليس بكفر قال النووي في المجموع: " لَا يَصِيرُ الْمُسْلِمُ
كَافِرًا بِحِكَايَتِهِ الْكُفْرَ".[116]
وقال البهوتي :"(وَلَا) يَكْفُرُ (مَنْ حَكَى كُفْرًا سَمِعَهُ وَلَا يَعْتَقِدُهُ)".[117]
ولهذا يحكي العلماء الحكايات الكفرية في كتاب الردة من الفقه، وفي الكتب العقدية وهم على هذا الحال منذ القدم دون نكير، ولو كانت الحكاية كفرا لما فعله العلماء وهذا يعني الإجماع على جواز ذلك وعدم الكفر به.
من قواعد أهل السنة والجماعة في باب التكفير: أنهم فرّقوا بين تكفير المطلق وتكفير المعين، فيرون تكفيرالمطلق وهو(تجريم الفعل نفسه لا الفاعل) الحكم بالكفر على القول أو الفعل أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه وعلى الفاعلين على سبيل الإطلاق بدون تحديد أحد بعينه ويكفرون من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الطوائف والأفراد،مثل فرعون، وإبليس ومن الطوائف:اليهود و النصارى والمجوس وأهل الأوثان. وكذلك يرون بإطلاق تكفير من أنكر حرفا أوآية من القرآن أومن استحل الربا أوالزنا أوالخمرأودعا إلى عبادة نفسه.
وأما تكفيرالمعين فهو:الحكم على شخص بعينه بالكفر(تجريم فاعل معين لارتكابه فعل الجريمة) لاقترافه ما يناقض الإسلام بعد مراعاة ضوابط التكفير من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، و الضابط : أن انطباق الحكم بالكفر على القائل المعين أو الفاعل المعين لا يتم إلا إذا تحققت شروط التكفير في حقه وانتفت الموانع:
قال ابن تيميه : أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ".[118]
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون:
1. مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه.
2. وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة.
3. وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته.
وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً وقد لا يكون ناجياً"[119]
وقد دل على هذا الضابط أدلة من القرآن مثل قوله تعالى:{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}.[120]
ومن أدلة القاعدة ما سبق أن ذكرنا من حالات وقعت أمام الرسول صلى الله عليه وسلم قال أو فعل أصحابها ماهو كفر ولم يكفرهم الرسول صلى الله عليه وسلم لقيام عذر مانع من تكفيرهم ومن ذلك:
- قصة سجود معاذ بن جبل رضي الله عنه.
وحديث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ قالت: جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ
حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ.[121]
فالسجود لغير الله كفر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكفر معاذا لقيام العذر وهو التأويل السائغ، ولم يكفر الجاريتين لجهلهما بلازم ماذكرتاه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله:"أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَ الْإِجْمَاعِ يُقَالُ هِيَ كُفْرٌ قَوْلًا يُطْلَقُ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَإِنَّ " الْإِيمَانَ " مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ مِثْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ أَوْ الرِّبَا حَلَالٌ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ؛ أَوْ لِنُشُوئِهِ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ سَمِعَ كَلَامًا أَنْكَرَهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا أَنَّهُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".[122]
وقال:"هَذَا مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً وَفَاسِقًا أُخْرَى وَعَاصِيًا أُخْرَى".[123]
وقال أيضاً: وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَتَكْفِيرُ " الْمُعَيَّنِ " مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ وَأَمْثَالِهِمْ - بِحَيْثُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ - لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْحُجَّةُ الرسالية الَّتِي يَتَبَيَّنُ بِهَا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ لَا رَيْبَ أَنَّهَا كُفْرٌ. وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي تَكْفِيرِ جَمِيعِ " الْمُعَيَّنِينَ " مَعَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْبِدْعَةِ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي بَعْضٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ. وَمَنْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ؛ بَلْ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".[124]
فمن جاهد نفسه هواها، وشمر عن ساعد الجد، وأخلص النية،بلغ في الإيمان أعلاها، و الناس موزعون عليها بحسب إيمانهم وأعمالهم وكلهم جميعاً يشملهم اسم الإيمان تماماً كما لو رأيت طبيباً تخرج حديثاً وآخر له الخبرة والتمكن، ومن بين بين، فكلهم يجمعهم اسم الطبيب، بيد أنهم متفاوتون في خبرتهم ومعرفتهم وكفاءتهم.
وكون الإيمان والكفر ذا شعب وأجزاء ومراتب كثيرة يقتضي:
أولا: تفاضل المسلمين في الإيمان إذ ليسوا على درجة واحدة من الإيمان ذي الشعب والفروع.
ثانيا: تفاضل الكفار في الكفر فهم كذلك ليسوا على درجةواحدة من الكفر والشرك ذي الشعب والفروع.
ثالثا: من وجد فيه أصل الإيمان واجتمع معه شعبة من شعب الكفر أو النفاق والمعاصي والسيئات لايجوز تكفيره ولايزول عنه اسم الإيمان، يبقى مسلما إذ وجد أصل الإيمان.
وكذا من وجد فيه – وهو كافر- شعبة من شعب الإيمان لايسمى مسلما أو
مؤمنا،ولا يزول عنه اسم الكفر ويبقى كافرا إذ لم يتوفر أصل الإيمان.
قال ابن تيمية:" وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَبَعْضُ النَّاسِ يَكُونُ مَعَهُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْكُفْرِ وَمَعَهُ إيمَانٌ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَسْمِيَةِ كَثِيرٍ مِنْ الذُّنُوبِ كُفْرًا مَعَ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ يَكُونُ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ. كَقَوْلِهِ {سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ} وَقَوْلُهُ: {لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ} وَهَذَا مُسْتَفِيضٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي " الصَّحِيحِ " مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ فَإِنَّهُ أُمِرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنْ يُنَادِيَ بِهِ فِي النَّاسِ فَقَدْ سَمَّى مَنْ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِلَا حَقٍّ كُفَّارًا؛ وَسَمَّى هَذَا الْفِعْلَ كُفْرًا؛ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلَى قَوْلِهِ: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} فَبَيَّنَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَكِنْ فِيهِمْ مَا هُوَ كُفْرٌ وَهِيَ هَذِهِ الْخَصْلَةُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا} فَقَدْ سَمَّاهُ أَخَاهُ حِينَ الْقَوْلِ؛ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا بَاءَ بِهَا فَلَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَكُنْ أَخَاهُ بَلْ فِيهِ كُفْرٌ".[125]
رابعا: أن دائرة الإسلام أوسع من دائرة الإيمان، فمرتكب الكبيرة مسلم ولو أنه انتقص إيمانه بارتكاب الكبيرة التي يكون مرتكبها تحت المشيئة الإلهية إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
خامسا: أن اتصاف المؤمنين ببعض شعب الكفر والشرك والنفاق يقتضي أن هناك
كفر دون كفر وشرك دون شرك،وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. وكل منها
نوعان:
الأول: المخرج من الملة.
الثاني: غير المخرج من الملة
وقال ابن العربي المالكي:"الطاعات كما تسمى إيمانا كذلك المعاصي تسمى كفرا، لكن حيث يطلق عليها الكفرلا يراد عليه الكفر المخرج من الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة،و لو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافراً فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى يتيبن له الحجة التي يكفرتاركها بيانا واضحا مايلتبس مثله، وينكرماهو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا قطعيا يعرفه كلا من المسلمين من غير نظروتأمل".[126]
فقد وضح المنهج الصحيح في التفريق بين التكفير المطلق لمن كفّره الشرع وبيّن تنزيل التكفيرعلى المعنيين وأن الأول سائغ، والثاني ممنوع إلا بعد تحقق تلك القيود الذي ذكرها العلماء.
وقال ابن تيمية رحمه الله: بعد أن ذكر اختلاف بعض علماء أهل السنة في كفر بعض الفرق وهل أعيانهم كفار أم لا وهل يخلد في النار أم لا: وَسَبَبُ هَذَا التَّنَازُعِ تَعَارُضُ الْأَدِلَّةِ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَدِلَّةً تُوجِبُ إلْحَاقَ أَحْكَامِ الْكُفْرِ بِهِمْ ثُمَّ إنَّهُمْ يَرَوْنَ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّذِينَ قَالُوا تِلْكَ الْمَقَالَاتِ مَنْ قَامَ بِهِ مِنْ الْإِيمَانِ مَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيَتَعَارَضُ عِنْدَهُمْ الدَّلِيلَانِ وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ مَا أَصَابَ الْأَوَّلِينَ فِي أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ كُلَّمَا رَأَوْهُمْ قَالُوا: مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدَ الْمُسْتَمِعُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ قَالَهُ وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا أَنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَقِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِير الْمُعَيَّنِ إلَّا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتْ الْمَوَانِعُ يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ: الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ العمومات لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِهِ.".[127]
وهذه قاعدة مهمة جدا، في الحكم على شخص معين بالكفر، صرح بها شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من كتبه، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إِنَّ التَّكْفِيرَ الْعَامَّ - كَالْوَعِيدِ الْعَامِّ - يَجِبُ الْقَوْلُ بِإِطْلَاقِهِ وَ عُمُومِهِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ بِالنَّارِ: فَهَذَا يَقِفُ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ".[128]
وقال رحمه الله تعالى: فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه".[129]
ولابد هنا من بيان شروط تكفير المعين والموانع ، والتي يخطئ التكفيريون في التأكد من وجودها أو انتفائها. وهي:
أولا: شروط التكفير
اشترط العلماء لثبوت تكفير المعين ثلاثة شروط، وعكسها موانع، يعني تخلف
شرط من الشروط يعتبر مانعا من موانع التكفير، والشروط هي:
الشرط الأول: التكليف:
أي أن يكون عاقلا بالغاً، لا مجنونا ولا صغيرا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم قال: رفع القلم عن ثلاثة... وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق.[130]
وحكى ابن المنذر وابن قدامة الإجماع على أن الردة لا تصح إلا من عاقل فأما من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له والمجنون ومن زال عقله..فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه بغير خلاف.[131]
الشرط الثاني: قيام الحجة بالعلم والبلاغ
ومعناه أن قيام قول أو عمل مكفر، كفراً أكبر لا يعني كفر القائل وإن قصده حتى تقوم على القائل الحجة بأن هذا القول كفر.
يقول ابن تيمية: "حكم الوعيد على الكفر لا تثبت في حق الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله".[132]
وقال: "وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وازالة الشبهة".[133]
وقال أيضا: فهذه المقالات هي كفر لكن ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها".[134]
وقيام الحجة عليهم الذي بعده يحكم بكفر أعيانهم إنما يكون بتجليه الحق وإزالة الشبهة، وتبين أنه لم يبق معهم غير المكابرة والعناد، وليس مُجْدِياً أن يعرض عليهم الحق ويناظرون فيه ويستدل عليهم بأدلة أهل السنة.
والدليل على ذلك : مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج والاستدلال عليهم بالكتاب والسنة والقياس، واقتناع طائفة كبيرة منهم، وإصرار طائفة أخرى، ومع ذلك فأولئك المصرون لم يكفرهم علي ولا ابن عباس ولا غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
والإمام أحمد رحمه الله وغيره من علماء السنة ناظروا المعتزلة وربما سموهم الجهمية القائلين بخلق القرآن وتعطيل الصفات، ونفي رؤية الله في الآخرة، وأن ابن أبي داود كان يقول للمعتصم مشيراً إلى الإمام أحمد: (اقتله ودمه في ذمتي)، و مع ذلك كله لم يكفّرهم الإمام أحمد ولا أحد غيره من أهل السنة هؤلاء بأعيانهم .
والإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ناظر الجهمية والمعتزلة وغلاة الصوفية، وعرض عليهم الأدلة النقلية والعقلية، فلم يقنعوا بها واعتبروه هو الشاذ والخارج عن مذهب أهل السنة، وأفتوا بسجنه بل سعوا في ذلك حتى سجن ومات في السجن، وربما أفتى بعضهم بقتله، ولم يكفّر أحداً منهم بل كان يقول:(ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. وكان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم ... إلخ).[135]
بل إنه رحمه الله مع نقله إجماع العلماء على منع الاستغاثة بغير الله وأنه شرك كما صرح بذلك في وسمه بالإجماع على المنع منه في الاستغاثة فإنه لم يكفّر البكري الذي ألف كتاباً في إثبات الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه شيخ الإسلام برد مختصر، فرد البكري عليه فأفحش القول وكفر شيخ الإسلام لمنعه من الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم زاعماً أن ذلك حطّاً من قدره صلى الله عليه وسلم وسوء أدب معه، فرد عليه شيخ الإسلام بكتابه العظيم (الاستغاثة أو الرد على البكري).
ومع ذلك فإنه لم يكفّر البكري ولم يصمه أنه قد أقام عليه الحجة بذلك، بل إنه قال في آخر كلامه عن حكم التكفير وذكر موانعه، وأن الذين يبتدعون أقوالاً ثم يكفّرون من خالفها هم أهل الأهواء، قال عن البكري: (فلهذا لم يقابل جهله وافتراؤه بالتكفير بمثله) وهذا دليل من كلامه رحمه الله على عدم تكفير البكري كما يظهر لي، بل إن محقق الاستغاثة - عبد الله بن دجين السهلي - قد صرح في دراسته لكتاب الاستغاثة بذلك فقال: (وعلى هذا نجد هذا الكتاب على وتيرة واحدة، فهو يصف الخصم بالجهل والظلم ولا يكفره، وإن كان يشتد عليه أحياناً إلا أنه لا يخرج عن حدود الشرع، ويستدل على كل مسألة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح. بينما البكري يصف الشيخ مرة بالإلحاد ومرة بالزندقة والكفر، ويستشهد بأقوال القبورية أمثاله).[136]
الشرط الثالث: الاختيار.
ومعناه أن لا يكون القائل أو الفاعل للكفر مكرها عليه. لقوله تعالى:{مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.[137]
وسبب نزولها قصة عمار بن ياسر رضي الله عنهما أو المستضعفين من المؤمنين بمكة
قال البغوي رحمه الله تعالى قال: وأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر يجوز له أن يقول بلسانه، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفراً وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل".[138]
وللعلماء في حد الإكراه كلام يطول استقصاؤه , ومما بينوه أن الإكراه على الكفر ليس كالإكراه على فعل المعصية أو ترك واجب فلا يكون الإكراه على الكفر إلا بأمر جلل كالقتل والتعذيب والسجن ونحو ذلك.
ولا يلزم أن يصل الإكراه إلى حد الإكراه الملجئ الذي لا يبقى معه للمكره اختيار فإن من بلغ به الحال إلى حد ذلك لم يعد مكلفاً أصلاً. كما أن الإكراه يجب أن لا يصاحبه رضى بالكفر واستمراء له ومداومة عليه.[139]
ثانيا: موانع التكفير
وموانع التكفير تكون بانتفاء شرط من شروطه، فعكس كل شرط مانع:
المانع الأول: عدم التكليف:
إما بالصغر أو الجنون، وهو عكس شرط التكليف , وما تقدم من الأدلة هناك هو
أدلة هذا المانع.
والمانع الثاني: الجهل:
وهو عكس الشرط الثاني (قيام الحجة) أي كون العبد يقول أو يفعل، أو يعتقد شيئاً يمكنه العلم ببطلانه، وأنه كفرٌ بالله تعالى. فإذا لم يعلم وجهل أن القول أو الفعل كفر، وارتكبه لجهله فهذا عذريحول دون تكفيره.
المانع الثالث: الخطأ والذهول:
بأن يكون القول أو الفعل صادراً عن العبد في حال ذهول أو دهشة تمنع من اعتبار القصد إلى ذلك القول أو الفعل، كما في حديث الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح.
المانع الرابع: الإكراه:
وهو عكس الاختياروذلك عند النطق بكلمة الكفر في الإكراه كما في حالة عمار بن ياسر وقد حكى الله ذلك بقوله تعالى:{ مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.[140]
أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله ما تُرِكْتُ حتى نِلتُ منكَ وذكرتُ آلهتَهم بخير" قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان قال: إِنْ عَادُوا عُدْ[141].
المانع الخامس: التأويل:
والمقصود بالتأويل ها هنا: الوقوع في الكفر من غير قصد لذلك، وسببه القصور في فهم الدلالة الشرعية،لوجود شبهات ظنوها أدلة فتمسكوا بها دون تعمد للمخالفة، بل قد يعتقد أنه على حق.[142]
ولبيان التأويل السائغ المانع من التكفير نقول إن التأويل ثلاث :
الأول: ممدوح وهوالتأويل الصحيح الذي شهدت له أدلة الكتاب والسنة واستعمله السلف الصالح.
الثاني: تأويل صاحبه معذوروربما مأجور لأجل شبه عرضت له ، أو تقليد عن إحسان الظن ببعض شيوخه ومتقدميه أوقعه في مخالفة الحق في مسائل علمية أو عملية، ولكن لا يجوز اتباعه على ذلك، أو الاستدلال بما وقع منه على صحة ما ذهب إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كابن حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفرعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين أنهم لا يكفّرون ولا يفسّقون ولا يؤثّمون أحداً من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره".[143]
الثالث: التأويل الفاسد المخالف لما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فصاحبه يشمله الذم ويوصف بالضلال، ولكن لا يجوز الحكم عليه بالكفر إلا بعد إقامة الحجة عليه، وتبين عناده وتكذيبه لله ولرسوله، ومخالفته لسبيل المؤمنين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يَكْفُرُ، بَلْ وَلَا يَفْسُقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ، كَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدْ يَسْلُكُونَ فِي التَّكْفِيرِ ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُ أَهْلَ الْبِدَعِ مُطْلَقًا، ثُمَّ يَجْعَلُ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْجَهْمِيَّةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ كَفَّرَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ، بَلِ الْمَنْقُولَاتُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُمْ تُنَاقِضُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ قَالَ بَعْضَ الْأَقْوَالِ، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ كُفْرٌ لِيُحَذِّرَ، وَلَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ كُفْرًا أَنْ يَكَفِّرَ كُلَّ مَنْ قَالَهُ مَعَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ ; فَإِنَّ ثُبُوتَ الْكُفْرِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، كَثُبُوتِ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ، كَمَا بَسَطْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ"[144].
الخاتمة: التلخيص والنتائج والتوصيات
وبعد هذه الدراسة لقواعد التكفير الشرعية وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية منها نلخص المقال ثم نتبعه بالنتائج والتوصيات :
أولا: تلخيص المقال
التكفير من الكفروهو التغطية والستر، وشرعا: الحكم على شخص بالخروج من الدين.
وهو أمر خطير جدا، منهي عنه لما تترتب عليه آثار خطيرة على المكفِّر و المكفَّر كليهما، في الدنيا والآخرة؛ من الضلال والبعد عن الهداية وقطع الأخوة والموالاة بينه وبين المسلمين, وحرمانه من حق الولاية على أولاده، وفسخ نكاحه والتفريق بينه وبين زوجته, ووجوب قتله شرعاً للردة وإباحة ماله وعقاره ومنع التوارث بينه وبين قرابته المسلمين, ومنع غسله والصلاة عليه، وعدم دفنه في مقابر المسلمين.
أما الآخرة فحرمان الإنسان من رحمة الله تعالى والطرد منها واللعنة وغضب الله
تعالى والخزي والعار وحبط الأعمال والخلود في النار, وقطع رجائه من الخروج
منها, وعدم استحقاقه للشفاعة.
هذه هي الآثار المترتبة على المحكوم عليه بالكفر، أما الذي يتجرأ على تكفيرالمسلمين، فإن لم يكونوا كفارا رجع التكفير عليه، بالإثم واتهام أخيه بالكفر، ومحاولة حرمانه من حقوقه التي منحها الله إياه ربه.
ولذا كان السلف يتورعون عن التكفير، ولايتسرعون فيه، حتى الذين أقدموا على تكفيرهم- مثل الخوارج- لم يردوا عليهم بالتكفير، ولم يكفروهم بل قالوا: إخواننا بغوا علينا".
والكفر الوارد في النصوص الشرعية، كفر أكبر يخرج من الملة، وكفر دون كفر غير مخرج من الملة.
وهوباعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن: كفر اعتقادي قلبي، وكفر قولي، وكفر عملي.
وباعتبار الإطلاق والتعيين: كفر مطلق يعم الأوصاف والأعمال دون تعيين أحد أو تجريم شخص. أوكفر يتم تجريم فاعله بتعيين مرتكبه عند توافر الشروط وانتفاء الموانع.
والكفرالأكبر باعتبار بواعثه وأسبابه ستة أنواع:
1 - كفرالإنكار والتكذيب
2 – كفرالجحود
3 - كفرالعناد والإباء والاستكبار
4 - كفرالنفاق
5 – كفرالإعراض
6 - كفرالشك والظن
وكمايقولون"شرالبلية ما يضحك"، قام الفئات الباغية باتهام أهل السنة والجماعة بالتكفير كذبا وافتراء عليهم، ونسبوا إلى أئمتهم- مثل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى-التكفير وهو أبعد ما يكون منه. وهذا اقتضى من المنصفين، رد الاعتبار إلى المظلوم المفترى عليه، فقمت بمراجعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وسبرت غورها، واستخرجت منها أصولا شرعية، وقواعد فقهية في الفقه الأكبر، لا بد من مراعاتها في قضايا التكفير. وهي اثنتاعشرة قاعدة:
1. القاعدة الأولى: التكفير حكم شرعي حق لله تعالى، لايثبت إلا بدليل
2. القاعدة الثانية: الأصل في الإنسان: "الإسلام" والكفر طارئ عارض.
3. القاعدة الثالثة: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت زواله
4. القاعدة الرابعة: مَنْ ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِيَقِينِ لَمْ يَخرُجْ عنه إلا بيقين
5. القاعدة الخامسة:"ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين"
6.القاعدة السادسة: نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر
7.القاعدة السابعة: "أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِرِ"
8. القاعدة الثامنة: التكفير لا يكون بأمرٍ محتمل إلا أن يتعين قصده
وهنا بينت العلاقة بين سبب الكفر وبين القصد في أربعة احتمالات:
- الاحتمال الأول: الكفر باطنا والإسلام ظاهراكما يوجد عند المنافقين
- الاحتمال الثاني: الكفرظاهرا وباطنا: مثل الكفار والمشركين
- الاحتمال الثالث: الكفر ظاهرا والإسلام باطنا: كما في حالة عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه.
- الكفرظاهرا مع الاحتمال في القصد الباطن:
كالذي أمر أهله بسحقه حرقه ثم رمي رماده في البحر بعد موته، ظنا منه أن الله لن يقدر على بعثه، فهذا الظن كفر قطعاً، مع هذا سأله رب العالمين عما حمله عليه ،فقبل منه عذره وغفر الله له ومثل نطق كلمة الكفر في حالة الذهولِ دهشةً أو فرحةً و سرورًا، وكذا حكاية كلمات الكفر-لا أفعاله - أو الخطأ في التعبير عن الإيمان والإسلام بسبب الجهل.
تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين: فقد جرم الشرع، أفعالا وأقوالا وعقائد مطلقا، دون تعيين
أوتسمية صاحبها، فلا يتم تنزيلها على شخص معين إلا بوجود شروط وفقدان موانع.
9. القاعدة التاسعة:لا ينسب إلى ساكت قول. تخص فيما إذا كان القول أو الفعل
يحتمل قصد معناه الكفري أو عدم قصده، وسكت القائل أو الفاعل، فلا ينسب
إليه قول.
10. القاعدة العاشرة: تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين" بمعنى أن تجريم أو تكفير فعل أو قول ما، لا يعني تجريم فاعله أو قائله، إلا بشروط معينة مع انتفاء موانع.
11. القاعدة الحادية عشرة: لكل من الإيمان والكفرأصل وفروع وبينهما شعب كثيرة.
المسلمون والكفار يتفاضلون فيما بينهم في اتصافهم بالإيمان أو الكفر وشعبهما. والأصل أن من وجد فيه أصل الإيمان قد يجتمع معه شعبة من شعب الكفر أو النفاق والمعاصي والسيئات فهو من المسلمين العصاة ناقصي الإيمان، ولايجوز تكفيره ولايزول عنه اسم الإيمان، يبقى مسلما إذ وجد أصل الإيمان.
وكذا من وجد فيه – وهو كافر- شعبة من شعب الإيمان لايسمى مسلما أو مؤمنا،ولا يزول عنه اسم الكفر ويبقى كافرا إذ لم يتوفر أصل الإيمان.
12. القاعدة الثانية عشرة: تكفير المعين موقوف على ثبوت شروط التكفير، وانتفاء موانعه من التكليف،والعلم بالمكفر وقيام الحجة، والاختيار، بدون تأويل ولا خطأ أو إكراه.
واشترط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والعلماء الآخرون لتكفير المعين شروطا عديدة واعتبروا تخلفها موانع تمنع من التكفير، وهي: أن يكون المحكوم عليه مكلفا بالعقل والبلوغ، عالما بالمكفرات الشرعية،مختارا غير مكره، ولا متأول
تأويلا سائغا، عامدا وقاصدا للمكفرات المحتملة، ولم يكن مخطئا بسبق اللسان أو
الخطأ في التعبير عن الإيمان والإسلام، ولا ذاهلا بشدة الفرحة والسرور.
ثانيا: النتائج
ونستطبع أن نستنتج مما سبق:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يكن تكفيريا ولا متساهلا مع الكفار والمنافقين والمرتدين، ووجدنا في بعض مواقفه شدة مع المخالفين ، فذلك يقتضيه المقام، وتتطلبه الظروف والأحوال.
كان ابن تيمية رحمه الله من أورع الناس في التكفيروأكثرهم نهياً عنه، وله فيها ضوابط وقواعد مستمدة من كتاب الله تعالى، ولم يكن يكفِّر أحداً بهواه ، بل يكفِّر من كفَّره الكتاب والسنة وكان الشيخ في كل ذلك ملتزما بنصوص الكتاب والسنة، فمادام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لم يطلق التكفير بل قيده بقواعد شرعية وضبطه بضوابط مدعمة بالأدلة، وعلق التكفير على توفر شروط في حق المحكوم عليه و فقدان موانع يعذربالجهل وعدم العلم بالمكفر، أو العجز عن فهم النص الوارد، أو بالخطأ في الاجتهاد،أو التأويل السائغ،أو لرسوخ التقليد، فهو ملتزم بالنصوص الشرعية، وليس متشددا ولا متساهلا، وموقفه من التكفير أعدل المواقف وأقربها إلى الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، وسط بين الإفراط والتفريط. ومنهجه في التكفير وسط بين طرفين.
ثالثا:التوصيات
وبعد هذه الدراسة لموقف ابن تيمية من التكفير وقراءة أفكاره في القضية، نوصي بما يلي:
- تدريس أصول التكفير وقواعده الشرعية في الجامعات الإسلامية والمدارس الدينية والعصرية، في الدول الإسلامية وبخاصة ، التي تعرضت لموجة الفتن من موالاة الكفار واضطهاد الشباب الملتزمين.
- تنظيم الحوارات مع التكفيريين تأسيا بما قام به أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع الخوارج ، حيث أمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فناظرهم وحاورهم وأقنعهم حتى رجعوا إلى الفكر السليم ألوفا مؤلفة.
- ونرى أنه من االواجب على قادة الأمة الإسلامية وحكامها الإخلاص في موالاة الله ورسوله والمؤمنين، والتبري من أعداء الله.
- يجب الاهتمام بالشباب بتوعيتهم بأحكام الدين الأصيلة المبنية على النصوص الشرعية لئلا يقعوا فريسة لأفكار التكفيريين.
[1] . البقرة:143
[2] . العقيدة الواسطية: اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة ص:82، المؤلف: تقي الدين أبو
العباس أحمد بن عبد الحليم ،ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) المحقق: أبو محمد أشرف بن عبد
المقصود، أضواء السلف – الرياض،الطبعة: الثانية 1420هـ / 1999م
[3] . أخرج الطبراني في المعجم الكبير( 13/ 70 الحديث:172 ) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا»
[4] . كما في حديث الرهط الثلاثة عن أنس بن مالك رضي الله عنه
[5] . قال تعالى:{ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.
[6] . قال تعالى:" :{ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ}.
[7] . قال تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ}.
[8] . كما في حديث أبي جحيفة، رضي الله عنه، قال سلمان لأبي الدراداء: إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك
حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه". فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرا ذلك، فقال له: صدق سلمان"
رواه لترمذي.
[9] . قال تعالى:{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}.
[10] . امتثالا لأمر الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ
غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}.
[11] . معجم مقاييس اللغة 5/191-192، المؤلف: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)
المحقق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، 1399هـ - 1979م.الأجزاء: 6
[12] . القاموس المحيط ص:470-471،المؤلف: مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ)تحقيق:
مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة،بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي،الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر و
التوزيع، بيروت – لبنان الطبعة: الثامنة، 1426 هـ - 2005 م،الأجزاء: 1
[13] . نقله عن الليث الأزهري في: تهذيب اللغة 10/110، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) المحقق: محمد عوض مرعب،دار إحياء التراث العربي – بيروت،الطبعة: الأولى، 2001م عدد الأجزاء: 15،
وانظر:المفردات في غريب القرآن ص:715،المؤلف : الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أبو
القاسم، دار العلم الدار الشامية،دمشق ـ بيروت،سنة الطبع : 1412 هـ، تحقيق : صفوان عدنان داودى، و التوقيف على
مهمات التعاريف ص:606،المؤلف : محمد عبد الرؤوف المناوي،دار الفكر المعاصر , دار الفكر - بيروت , دمشق،الطبعة
الأولى ، 1410هـ تحقيق : د. محمد رضوان الداية، الأجزاء : 1 والمحلى بالآثار3/166،المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد
بن سعيد بن حزم الظاهري (المتوفى: 456هـ) دار الفكر – بيروت، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ، الأجزاء: 12
[14] . مختصر تسهيل العقيدة الإسلامية ص: 68،المؤلف: عبد الله بن عبد العزيز بن حمادة الجبرين، مكتبة الرشد،الطبعة:
الثانية 1424هـ عدد الأجزاء: 1 والفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق4/179الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ
وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ،المؤلف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى:
684هـ)عالم الكتب، الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ عدد الأجزاء: 4،وإرشاد أولي البصائر والألباب لنيل الفقه بأقرب
الطرق وأيسر الأسباب، للسعدي رحمه الله، ص191
[15] . مجموع الفتاوى 1/106
[16] . انظر: مدارج السالكين: 1/ 335 وما بعدها.
[17] . صحيح مسلم،الإيمان، باب إطلاق الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت:139 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
[18] . مسند أحمد ط الرسالة 3/477، الحديث:2036 مسند عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
[19] . مسند أحمد ط الرسالة 15/331، الحديث:9536، عن أبي هريرة والحسن
[20] . البقرة: 6
[21] . البقرة:34
[22] . الأحقاف:3
[23] . الكهف:36-37
[24] . بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص:345، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو
العباس، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، 1408هـ، تحقيق: د. موسى سليمان الدويش، الأجزاء: 1.
[25] . مجموع الفتاوى 12/ 468
[26] . مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 1/107، بَابُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ: 407 وقال الهيثمي: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَفِيهِ يَزِيدُ
الرَّقَاشِيُّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ، وَوَثَّقَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ، وَقَالَ: عِنْدَهُ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ عَنْ أَنَسٍ، وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. رقم:
408 وقال: رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى،وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. المؤلف: نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي
(735 - 807 هـ) دار الكتب العلمية – بيروت،الطبعة: 1408 هـ- 1988 م
[27] . مجموع الفتاوى 28/ 516
[28] . مجموع الفتاوى5/ 554-555
[29] . انظر: الرد على البكري - ابن تيمية ( تلخيص كتاب الاستغاثة) المؤلف : أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس
مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة،الطبعة الأولى ، 1417هـ تحقيق : محمد علي عجال، عدد الأجزاء : 2
[30] . شرح القصيدة النونية 2/268، الناظم: شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)الشارح: الدكتور محمد خليل هراس
(المتوفى: 1395 هـ) عدد المجلدات: 2 دار الكتب العلمية – بيروت،الطبعة: الثانية /1415 هـ
[31] . مجموع الفتاوى 12/ 501
[32] . مجموع الفتاوى 17/78
[33] . درء تعارض العقل والنقل 1/ 243المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم،ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
(المتوفى: 728هـ) تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم،جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،الطبعة: الثانية، 1411 هـ -
1991 م الأجزاء: 10
[34] . مجموع الفتاوى 35/100
[35] . انظر الشفا لعياض 2/1058، وفتح الباري 12/300
[36] . إكفار الملحدين في ضروريات الدِّين ص: 117،المؤلف: محمد أنور شاه بن معظم شاه الكشميري (المتوفى: 1353هـ)
المجلس العلمي – باكستان،الطبعة: الثالثة - 1424 هـ - 2004 م عدد الأجزاء: 1
[37] . أخرجه البخاري،الصحيح،الأدب،باب ما ينهى من السباب و الكفر:6045
[38] . أخرجه البخاري،الصحيح،الأدب،باب ما ينهى من السباب واللعن:6047، وفي باب من كفّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال:6105
[39] . أخرجه البخاري،الصحيح،الأدب،باب من كفّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال:6103
[40] . أخرجه البخاري،الصحيح،الأدب،باب من كفّر أخاه بغير تأويل فهو كما قال:6104 ومسلم،الصحيح،الإيمان،باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم:ياكافر:60 و ابن حبان في الصحيح
1/483، ذكر البيان بأن من أكفر إنسانا فهو كافر:249 وأبو عوانة في مسنده 1/1 ص:32ا لحديث :54
[41] . أخرجه ابن حبان في الصحيح 1/483، ذكر البيان بأن من أكفر إنسانا فهو كافر لا محالة:248
[42] . إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 4/76
[43] . الفتاوى 3/229، وانظر الفتاوى 3/282، 283 ( قاعدة في أهل السنة ) 35 /103
[44] . إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد ص:380-385، المؤلف: ابن الوزير، محمد
بن إبراهيم ،الحسني القاسمي، أبو عبد الله، عز الدين اليمني (المتوفى: 840هـ)دار الكتب العلمية – بيروت،الطبعة: الثانية،
1987م الأجزاء: 1.
[45] . إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص:385
[46] . المرجع السابق ص 447
[47] . السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني 4/578
[48] . أخرجه البخاري،الصحيح،الجنائز،باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه:1271
[49] . الروم:30
[50] . نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم 2/211، الحديث: 370 المؤلف: الحكيم الترمذي (285 هـ)
المحقق: توفيق محمد تكلة، دار النوادر،الطبعة: الأولى 1431 هـ - 2010 م،الأجزاء: 7
[51] . مجموع الفتاوى4/245-247
[52] . بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية 4/585،587 المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ، ابن تيمية
الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) المحقق: مجموعة من المحققين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،
الطبعة: الأولى، 1426هـ، عدد الأجزاء: 10
[53] . جامع الرسائل2/85، المؤلف : تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم ،ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى :
728هـ)المحقق : د. محمد رشاد سالم، دار العطاء – الرياض،الطبعة : الأولى 1422هـ - 2001م عدد الأجزاء : 2
[54] . النحل:78
[55] . درء تعارض العقل والنقل 8/460-461
[56] . صحيح مسلم ، كتاب صفة النار ، بَابُ صِّفَاتِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ:7309
[57] . انظر: الحسنة والسيئة ص:66،المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ،ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي
(المتوفى: 728هـ) دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الأجزاء: 1
[58] . انظر: أسنى المطالب في شرح روض الطالب 4/48، 508، المؤلف: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو
يحيى السنيكي (المتوفى: 926هـ)، الأجزاء: 4، دار الكتاب الإسلامي،الطبعة: بدون طبعة وبدون تاريخ.
[59] . دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات3/306، المؤلف: منصور بن يونس ،البهوتى الحنبلى
(المتوفى: 1051هـ) عالم الكتب،الطبعة: الأولى، 1414هـ - 1993م الأجزاء: 3, وكشاف القناع عن متن الإقناع 6/27،
للبهوتي أيضا، دار الكتب العلمية،الأجزاء:6
[60] . انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 45/193و الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ (الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات
الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها) 8/5863، المؤلف: أ. د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ، أستاذ ورئيس قسم الفقه
الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة، دار الفكر - سوريَّة – دمشق،الطبعة: الرَّابعة المنقَّحة المعدَّلة بالنِّسبة لما
سبقها (وهي الطبعة الثانية عشرة لما تقدمها من طبعات مصورة)الأجزاء: 10.
[61] . نهاية المحتاج والشبراملسي عليه 6/272 ط دار الفكر،بيروت، ومغني المحتاج 2/423.
[62] . المغني لابن قدامة 5/749 - 750.
[63] . مجموع الفتاوى 32/ 67
[64] . الصفدية 2/244،المؤلف : تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية (المتوفى : 728هـ) المحقق : محمد رشاد
سالم، الناشر : مكتية ابن تيمية، مصر،الطبعة : الثانية، 1406هـعدد الأجزاء : 2 في مجلد واحد.
[65] . مجموع الفتاوى4/245-247
[66] . الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/83،المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية (المتوفى: 728هـ) دار
الكتب العلمية،بيروت،الطبعة: الأولى، 1408هـ - 1987م الأجزاء: 6
[67] . مجموع الفتاوى4/245-247
[68] . الحديد:8
[69] . الكهف:6
[70] . يوسف:108
[71] . أحكام القرآن للجصاص 3/223، 425؛ الذخيرة للقرافي 1/317؛ شرح الزركشي على مختصر الخرقي 7/432؛ الأشباه
لابن نجيم ص 57؛ الأشباه لابن السبكي 1/14؛ مجامع الحقائق للخادمي ص 311؛ قواعد الفقه للمجددي ص 59؛ وانظر
قواعد الإمامية 1/379.
[72] . انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين 4/179، 201 المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب ،ابن قيم الجوزية (المتوفى:
751هـ) تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت،الطبعة: الأولى، 1411هـ - 1991م، الأجزاء:4
[73] . انظر: مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص:13، المؤلف: محمد بن علي ، أبو عبد الله، بدر الدين البعليّ (المتوفى:
778هـ)المحقق: عبد المجيد سليم - محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية - تصوير دار الكتب العلمية.
[74] . انظر على سبيل المثال: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص:5 من الدرس:27، بترقيم الشاملة،المؤلف: محمد حسن عبد
الغفار مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net ، و إتحاف
السائل بما في الطحاوية من مسائل(دروس مفرغة) ص:352،بترقيم الشاملة، المؤلف: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ،
شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة (دروس مفرغة) الدرس:22، ص:10،المؤلف: محمد حسن عبد الغفار،مصدر الكتاب:
دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، http://www.islamweb.net .و وردت صياغة أخرى قريبة
للقاعدة عند معاصر" من ثبت إسلامه بيقين فلا يزول بشك" انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح ،المؤلف: عبد الله بن
عبد الحميد الأثري ص:117، مراجعة وتقديم: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة
والإرشاد - المملكة العربية السعودية،الطبعة: الأولى، 1422هـ،الأجزاء: 1
[75] . مجموع الفتاوى 12/466
[76] . انظر: مجلة الأحكام العدلية ام:4 والأشباه والنظائر لابن نجيم ص:55 الأشباه و النظائر للسسيوطي ص: 50وقاعد الونشريسي القاعدة:26 و تأسيس النظر للدبوسي ص: 10، 110
[77] . شرح مجلة الأحكام العدلية للأتاسي1/18
[78] . فتح الباري لابن حجر العسقلاني 12/301 .
[79] . تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل ص:482،المؤلف: محمد بن الطيب ، القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (المتوفى:
403هـ)المحقق: عماد الدين أحمد حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية – لبنان،الطبعة: الأولى، 1407هـ - 1987م الأجزاء: 1
[80] . النجم:28
[81] . الأشباه والنظائر لابن نجيم ص:59 وللسيوطي ص:55
[82] . أخرجه مسلم،الصحيح،الإيمان،باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لاإله إلا الله:140
[83] . أخرجه أحمد،المسند ط الرسالة،3/467مسندعبد الله بن عباس رضي الله عنه:2023 والآية من النساء:94
[84] . أخرجه البخاري،الصحيح،الشهادات،باب الشهداء العدول:2447
[85] . انظر: شرح النووي على صحيح مسلم16/139
[86] . أخرجه مسلم،الصحيح،الأقضية،باب الحكم بالظاهر و اللحن بالحجة:3232
[87] . .انظر: شرح النووي على صحيح مسلم12/5
[88] . نيل الأوطار1/368-369
[89] . مجموع الفتاوى 7/ 216
[90] . انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 6/190، 191،المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية الحراني
الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) دار الكتب العلمية،الطبعة: الأولى، 1408هـ - 1987م الأجزاء: 6
[91] . التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد10/157، المؤلف: أبو عمر يوسف بن عبد الله،ابن عبد البر،لنمري القرطبي
(المتوفى: 463هـ) تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي , محمد عبد الكبير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية –
المغرب،عام النشر: 1387 هـ عدد الأجزاء: 24
[92] . مجموع الفتاوى 7/620
[93] البقرة:104
[94] . سنن ابن ماجه،الزهد، باب النية:4227
[95] . الصارم المسلول على شاتم الرسول ص:517
[96] . فتح الباري 1/114، المؤلف : زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين الشهير بابن رجب الحنبلي، دار ابن
الجوزي - السعودية / الدمام - 1422هـ، الطبعة : الثانية ، تحقيق : أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد،الأجزاء:6
[97] . بدائع الفوائد4/843-844، المؤلف : محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة
المكرمة،الطبعة الأولى ، 1416 – 1996م تحقيق : هشام عبد العزيز عطا - عادل عبد الحميد العدوي - أشرف أحمد الج
عدد الأجزاء : 4
[98] . الصارم المسلول على شاتم الرسول ص:512 ومابعدها المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم،ابن تيمية
الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)المحقق: محمد محي الدين عبد الحميد،الناشر: الحرس الوطني السعودي،
[99] . أخرجه أبوداود،السنن،النكاح،باب في حق الزوج على المرأة:1828
[100] . أخرجه ابن ماجه،السنن،النكاح،باب حق الزوج على المرأة :1843
[101] . انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص: 162 و لابن نجيم ص: 154 و مجلة الأحكام العدلية م:67
[102] . الفصل في الملل والأهواء والنحل 3/139،المؤلف: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري
(المتوفى: 456هـ) مكتبة الخانجي – القاهرة،الأجزاء: 5 × 3
[103] . أخرجه البخاري، الصحيح،كتاب، باب حديث الغار: 3478-3479
[104] . أخرجه مسلم،الصحيح،التوبة،باب في الحض على التوبة والفرح بها:4932 و أصله متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس. زاد مسلم في حديث أنس "ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت
عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" ورواه مسلم بهذه الزيادة من حديث النعمان بن بشير ومن حديث أبي هريرة مختصرا.
[105] . انظر: فتح الباري 11/108 و314
[106] . أخرجه البخاري،الصحيح،المغازي،باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة:3994
[107] . الممتحنة:1
[108] . أخرجه البخاري،الصحيح،الجهاد والسير،باب الجاسوس:2785
[109] . الأم4/249-250باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين
[110] . أخرجه البخاري،الصحيح،المغازي،باب بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن:4004، و مسلم ،الصحيح، الزكاة،باب ذكر الخوارج:1763
[111] . انظر: شرح النووي على صحيح مسلم7/163
[112] . أخرجه أحمد،المسند / مسند عبيد الله بن عدي الأنصاري رضي الله عنه:22559
[113] . انظر: شرح النووي على صحيح مسلم16/139
[114] . النساء:94
[115]. أخرجه البخاري ،الصحيح ، كِتَابُ الْمَغَازِي،بَابٌ:4019 .
[116] . المجموع شرح المهذب ((مع تكملة السبكي والمطيعي)) 3/99،المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي
(المتوفى: 676هـ)الناشر: دار الفكر،(طبعة كاملة معها تكملة السبكي والمطيعي)
[117] . دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات 3/395، المؤلف: منصور بن يونس،البهوتى الحنبلى
(المتوفى: 1051هـ)عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 1414هـ - 1993م عدد الأجزاء: 3، و كشاف القناع عن متن الإقناع
6/169،المؤلف: منصور بن يونس،البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ) دار الكتب العلمية،عدد الأجزاء:6
[118] . مجموع الفتاوى12/ 487-488
[119] . مجموع الفتاوى 3/179
[120] . الإسراء:15
[121] . أخرجه البخاري، الصحيح،المغازي،باب:4001
[122] . مجموع الفتاوى 35/ 165
[123] . مجموع الفتاوى 3/229، وانظر الفتاوى 3/282، 283 ( قاعدة في أهل السنة ) 35 /103
[124] . مجموع الفتاوى 12/500-501
[125] . مجموع الفتاوى 7/355 وانظر:اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ص:195،المؤلف : شيخ الإسلام ابن
تيمية،الطبعة : السابعة، دار عالم الكتب، 1419هـ - 1999م الأجزاء : 1
[126] . نقل عنه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري1/ 83 المؤلف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ، دار
المعرفة - بيروت، 1379،رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، والقاسمي في محاسن التأويل 3/161،
المؤلف: محمد جمال الدين بن محمد ،القاسمي (المتوفى: 1332هـ)المحقق: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلميه –
بيروت،الطبعة: الأولى – 1418 هـ
[127] . مجموع الفتاوى 12/487-488
[128] . مجموع الفتاوى 12/498
[129] . بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة ص:353-354
[130] . رواه ابن ماجه وصححه الألباني في : صحيح سنن ابن ماجة 1/ 747
[131] . انظر: المغني 12/266، المؤلف : أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى :
620هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو،ط:عالم الكتب،الرياض،السعودية
الطبعة: الثالثة، 1417هـ - 1997م.
[132] . بغية المرتاد ص:311
[133] . مجموع الفتاوى 12/ 466
[134] . بغية المرتاد ص: 353
[135] . وقد تقدم كلامه كاملاً، وهو في الاستغاثة: (1/ 383 - 385.
[136] . الاستغاثة 1/89 - 90.
[137] . النحل:106
[138] . معالم التنزيل: 5/ 46
[139] . انظر ضوابط التكفير ص276 وما بعدها
[140] . النحل:106
[141] . المستدرك على الصحيحين2/389الحديث:3362 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال ابن حجر
في فتح الباري12/312: هومرسل ورجاله ثقات.
[142] . انظر: نواقض الإيمان القولية والعملية (75)، وانظر الجهل بمسائل الاعتقاد ص 328
[143] . مجموع الفتاوى 19/ 207.
[144] . منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية 5/239-240،المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ،ابن
تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)،المحقق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة: الأولى، 1406 هـ - 1986 م، المجلدات: 9
ابحث
التعليقات
أشكركم على عرضكم لهذا البحث
أشكركم على عرضكم لهذا البحث القيم
موضوع مهم ورائع
موضوع مهم ورائع
أضف تعليقاً