
من المدينة التي شاع منها الحق والعدل والإنسانية إلى كل المعمورة، ومن المدينة التي لا يحجب نورها وخشوعها إلى الخالق غيم أو سماء، ومن المدينة التي جف فيها الدمع وخشعت فيها القلوب وتصافت فيها أنفس البشرية جمعاء، تأتينا الأخبار بأنْ سالت الدماء على أرضها!
مدن مقدسة، أرادها الله واحات للإيمان والخشوع، من فوقها تتفتح السموات لكل داع يطلب العفو والمغفرة، لكن يأتي هؤلاء الجهلة ويتركون الصلاة والقيام والدعاء بأطهر بقع الأرض، ويختارون الأحزمة والدماء والتفجيرات. لو فيهم ذرة من الإيمان، وأمامهم مرقد الحبيب، لكان يكفيهم السلام عليه ليشفع لهم، وتكفيهم الصلاة والسلام عليه ليشفع لهم، وتكفيهم ركعتان قرب حجرته الطاهرة ليشفع لهم. فلماذا تركوا كل هذا السلم والأمان والبساطة واليسر في الدين وشفاعته عليه أفضل الصلاة والتسليم، واختاروا الدماء والأحزمة والتفجير وشفاعة أمراء الضلالة والجهل؟!
في هذه الأيام الفضيلة، من كل أرجاء المعمورة تقبل التوبة، ومن كل بيت ومسجد وشارع تسجل الملائكة عتقاء هذا الشهر، ومن الوادي والجبل والبحر يهلل الناس ويدعون، طالما ظلال الرحمن في كل مكان. فلماذا اسودّت قلوب أولئك وعقولهم، وتركوا القيام بالعبادات في مكان فيه أقرب الناس وأحبهم إلى الله، وأخذوا أوامرهم وأحزمتهم وبغضهم من أناس لا يعرفون ولا يطبقون شيئا من دين الله؟!
من يترك مرافقة الأنبياء والشهداء والصديقين أحباب الله، ويرافق بشرا لا يُعترف بـ"جهادهم" وأحزمتهم وضلالتهم؟! من يترك تلك الليالي العظيمة بالدعاء والابتهال ومناجاة الخالق ليعتقنا من النار، ويختار الدم والقتل وترويع المصلين؛ فيسلك أقصر الطرق إلى النار؟! من يترك السجود والدعاء على أطهر بقاع الأرض، ويختار أن يفجر ويروع، ليدنس أطهر بقاع الأرض؟!
تريد الأجر؟ "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ". تريد المغفرة؟ "وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا". تريد الهداية؟ "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ". تريد الجنة؟ "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ".
هذا دستور الرحمن وكتابه العظيم، فيه الأجر والثواب والتوبة والجنة إن كنت تريدها، من دون حاجة الى أحزمة ناسفة، وإلى قتل وترويع.
كم أصبحنا نشتاق ليوم الحساب، لنرى من سيدخل الجنة؛ عابد أخلص في عباداته، أم جاهل فجر حزامه. كم أصبحنا نشتاق لرؤية الحبيب، لنرى هل سيسقي بيديه الشريفتين عابدا صلى عليه وسلم تسليما، أم جاهلا أزعج مرقده الأخير وقتل المصلين تقتيلا. كم أصبحنا نشتاق ليوم نرى فيه وعد الحق "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا"؛ فكيف إن كان هذا المسلم ساجدا خاشعا بجوار مرقد نبي الله، وكيف إن كان هذا المسلم صائما معتكفا في مسجد نبي الله، وكيف إن كان هذا المسلم من ألقى السلام للتو على من حمل الرسالة وبلغ الأمانة، وجلس ينتظر الأذان بجوار أحباب الله.
ابحث
التعليقات
اللهم احفظ المدينة وأهلها
اللهم احفظ المدينة وأهلها وسائر بلاد المسلمين ودمر أعداء الدين يا رب العالمين
أضف تعليقاً