wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
وسطية الإسلام في العبادات
د. محمود عبد الغفار أحمد بني حمدان

بسم الله الرحمن الرحيم

        الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

        إن الناظر نظرة تمعن في العبادات الإسلامية الواجبة والمستحبة على المسلم يجد أنها تتسم بالوسطية والاعتدال، وأنها بعيدة كل البعد عن الغلو، فلا إفراط فيها ولا تفريط.

        وقد جاء التوسط في العبادات الإسلامية منسجماً مع نعمة الله تعالى على هذه الأمة المحمدية بأن جعلها أمة وسطاً، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}(البقرة143)، فبما أنها أمة وسطاً فكذلك العبادات المفروضة عليها تتسم بالوسطية والاعتدال.

        وإذا نظرنا إلى العبادات في الإسلام، نجد أن منها عبادات يومية، يؤديها المسلم كل يوم تقرباً إلى الله تعالى كالصلاة المفروضة، فعلى المسلم أن يقف بين يدي الله تعالى كل يوم خمس مرات؛ ليبقى دائم الصلة بخالقه جلّ وعلا، وهذه الصلوات المفروضة لا تأخذ من المسلم إلا وقتاً يسيراً، فلا تؤثر على سعيه في عمارة الأرض بل تبقيه على صلة بمولاه جل في علاه، فيبارك له في عمله وسعيه، ومن لا يستطع أن يؤديها واقفاً فليؤدها جالساً أو مضطجعاً أو ليمررها على قلبه حسب حاله وقدرته، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(الحج78).

        ومن العبادات المفروضة على المسلم عبادة يؤديها المسلم كل أسبوع مرة واحدة، وهي صلاة الجمعة، يجتمع المسلمون فيها؛ لاستماع الموعظة، ولتحقيق التآخي والتواد والتقارب بين المسلمين، وهذه العبادة أيضاً لا تأخذ من وقت المسلم إلا اليسير، لتحقيق ديمومة العلاقة بينه وبين الله تعالى، وليتفرغ بعدها إلى عمارة الأرض والسعي في مناكبها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}( الجمعة 9-10).

        ومن العبادات التي فرضها الله تعالى على عباده المسلمين عبادة تُؤدَّى في العام مرة واحدة، وهي صوم شهر رمضان المبارك، وهذه العبادة مطلوبة من القادرين عليها فقط، فلا تجب على المسلم المريض مرضاً مزمناً، أو مرضاً قد يزداد بسبب الصوم، ولا على العاجز، ولا على المسافر، بل يسّر الله تعالى على من لا يستطيع الصوم، وجعل عليه الفدية أو القضاء حسب حاله،  قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(البقرة185).

        وقد فرض الله تعالى على المسلمين عبادة يؤدوها في العمر مرة واحدة وهي الحج، ولا يجب الحج على كل مسلم، بل هو واجب على المستطيع استطاعة بدنية ومالية وأَمنيّة[1]، وجعل الله تعالى في الحج منافع دينية ودنيوية للحاج، قال الله تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}  ( الحج 27- 29).

        وأوجب الله تعالى على المسلم في ماله  مبلغاً يسيراً يؤديه للمستحقين شرعاً للزكاة إذا بلغ النصاب في الزروع والثمار ، وإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول في بقية الأموال، وهذا المبلغ الذي يجب على صاحب المال هو مبلغ قليل لا يؤثر على بقية ماله بل يُنمِّيه ويبارك الله تعالى له فيه، ويسد فيه حاجة الفقراء والمساكين والمعوزين، فيتحقق بذلك التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المسلم في أبهى صوره.

        هذه هي أركان الإسلام بالإضافة إلى مفتاح الإسلام وهي الشهادتين، أركان يؤديها المسلم بيسر وسهولة، لا تعقيد فيها ولا مبالغة، بل هي مثال حي لحقيقة وسطية الإسلام واعتداله.

        فالإسلام يرفض الغلو في العبادات، لأنها تؤدي بالمسلم إلى التهلكة، والإسلام جاء ليحارب كل ما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالمسلم، قال تعالى:{وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ( البقرة 195).

        وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو في العبادات، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "  لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديار {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ } ( الحديد 27)"[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من      الدلجة "[3]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " « هلك المتنطعون ». قالها ثلاثا "[4]، والمتنطعون هم المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم[5]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في      الدين "[6]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج  النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني "[7].

       هذا بإيجاز نموذج من وسطية الإسلام في تشريعاته وفرائضه، وهذا هو يُسر الإسلام وتعاليمه، وصدق الله تعالى إذ يقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } ( البقرة 286).

وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

     د. محمود عبد الغفار أحمد بني حمدان

 تخصص العقيدة والفلسفة الإسلامية

                                                                     ت: 0779492289

mah_662011@yahoo.comE-mail             

 

[1] - أقصد أمن طريقه إلى الحج،  وأمن أهله في بلدهم أثناء ذهابه للحج.

[2] -أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني. سنن أبي داود، رقم4906، ج4، ص428، دار الكتاب العربي، بيروت.

[3] - النسائي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن. المجتبى من السنن (تحقيق عبد الفتاح أبو غدة)، ط2 (1406هـ - 1986م)، رقم5034، ج8، ص121، مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب.

[4] - مسلم، بن الحجاج بن مسلم القشيري. الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، رقم6955، ج8، ص58، دار الجيل ودار الأفاق الجديدة، بيروت.

[5] - النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط3 (1392هـ)، ج9، ص 26، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[6] - ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. سنن ابن ماجه (تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي)،رقم 3029، ج2، ص1008، دار الفكر – بيروت . قال عنه الألباني صحيح.

[7] - البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة. الجامع الصحيح، ط1 (1407 هـ – 1987م)، رقم5063، ج7، ص2، دار الشعب – القاهرة.

 

 

التعليقات

مقال رائع  ويصيب كبد الحقيقة

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.